شجرٌ صافٍ ، وسماءٌ خضراءْ
وبرائحةٍ من مومباسا يبتلُّ الماءْ
وبرائحةٍ من حنّاءِ البحرِ عرفناكِ وسمّيناكِ . مدينتَنا !
أيامَ أتيناكِ تعلّمْنا كيف يدورُ الفِطْرُ خبيئاً بين الظلِّ
وبين النخلِ ،
تعلّمْنا كيف نؤذِّنُ في العيدِ
وكيف نُلاعبُ أسماكاً هادئةً
كيف نراوغُ حيّاتِ الماء ؟
وتعلّمنا أن نجلسَ أحياناً والغيمَ ؟
كباراً كنّا ؟
وكباراً كانت قطراتُ المطرِ ؟
استَرْوَحْنا زهرَ النوّامِ
عرفنا كيف تكونُ توَيجاتُ الزهرةِ كاللحمِ .
بعيداً في أنهارٍ غامضةِ الأصواتِ نخوضُ .
ومَن أنبتَ هذي العنبةَ عند مُسنّاةِ الجامعِ ؟
مكتبةُ المخطوطاتِ الأولى في جيبِ الدشداشةِ .
سافرتُ بعيداً حتى بابِ سليمانَ
أميري في قلعتهِ النهريةِ كان سجيناً.
حينَ تظاهَرْنا ؟ طلاّبَ المحموديةِ ؟
قالوا ستطاردنا الشرطةُ .
دَخَنّا في البستان المهجور سجائرَنا الأولى ،
وبكَينا من خوفٍ .
رائحةُ الأشَناتِ
السمكُ الميّتُ في القيظِ ؟
قناطرُ تحملُنا
وقناطر تركلنا
وقناطر تغسلنا ،
شُرُفاتُ أميراتِ الهندِ بعيدةْ
والبستانُ بعيدٌ
بابُ سليمانَ بعيدٌ
والبيتُ بعيدٌ ؟
والشمسُ التفّتْ بالسعَفِ اللدْنِ ونامت.
رِجْلُ المعزى
رجْلُ المسحاةِ
ونسمعُ في العتْمةِ خطوَ السّعلاةِ ...
وفي الدمع انطفأتْ نارُ سجائرنا الأولى .
يا حلو ، يا مصطفى
يا قُرّةً للعينْ
نومَ الهنا ... مصطفى
يا أشهلَ العينينْ
غَمِّضْ على خيلنا
والبصرةِ الصّوبَين
تحميك بعد النبي
والسادةِ الألفَين
يحميكَ يا مهجتي
مختارُ " كوتِ الزين "
وردٌ أزرقْ
وسماءٌ حمراءْ
وبأسنانِ الكوسجِ يبتلُّ الماءْ
لا بأسَ ، سأفتحُ جرحاً في كفِّي
لأخبِّيءَ نجماً
ثم أذرُّ دقيقَ الليفِ عليها
وأقولُ سلاماً يا حمّالي سفنِ العالمِ
يا عمالَ قطاراتٍ لم تمنحني تذكرةً أو ذاكرةً ؟
في الليلِ نجوبُ درابينَ الصيفِ
ونفتحُ في جدرانِ رطوبتهِ ثقباً نتنفسُ منهُ ،
ويا أوحالَ صرائفنا ، يا مطرَ الأمطار
فساتينٌ تَزَّيَّنُ بالأطمار
وتكتمُ نجماً ؟
وعباءاتٌ تعتمِرُ البصرةَ كوخاً كوخاً
ومناشيرٌ تخْفُقُ تحتَ سماءٍ حمراء ؟
وبين القُرنةِ والفاوِ:
بساتينُ النخلِ ، وأزهارُ الملحِ
سلاماً للطالعِ
للطّلْعِ
لكل امرأةٍ تحملُ في سُرّتها نجماً قطبيّاً
وتُطَوِّفُ بين القرنةِ والفاو ؟
مدينتَنا !
سبعُ عرائسِ ماءٍ جئنَ إلينا في ليلٍ شتويٍّ ،
قُلْنَ لنا : أبصرْنا سربَ كواسجَ يأتي من جهةِ الغربِ ،
فأبحَرْنا نلقاهُ ؟
لكنْ بزوارقَ من برديٍّ
من ورقٍ
من سعفٍ هشٍّ
أبحرْنا ؟
لكنّ البلطةَ كانت تحْتَزُّ زوارقَنا كالماءِ ،
الماءُ سماءٌ حمراءُ
دمٌ يتدفّقُ مطلولاً بين القرنةِ والفاوِ ، وهذا الكوسجُ
يبحثُ عن نجمٍ قطبيِّ يأكلهُ .
انفتحتْ بوّاباتُ الغربِ ؟
مدينتَنا !
أيَّ طبولٍ نسمعُ في الليلِ الهامدِ ؟
أيُّ حكاياتٍ يسمعها حتى النخلُ
فيذوي منكفيءَ الجذعِ ،
وأيُّ خريفٍ سيطولُ إلى آخرةِ الدنيا ؟
يا حلو ، يامصطفى
يا زينة الشبّانْ
مرّتْ غيومُ العِدا
مرتْ على " حمدان"
يا حلو ، يا مصطفى
هانَ الذي ما هانْ
بعد الندى والندامى
ضعضعوا البنيانْ
يا حلو ، يا مصطفى
يا سدرة البستانْ
يا ليت شمس الضحى
حنّتْ على الولهانْ
تابوتٌ أخضرْ
وسماءٌ بيضاءْ
وبِطَلْعِ النخلةِ يبتلُّ الماءْ
في الضفةِ الأخرى : عمِّي.
في شاطئنا : كان أبي .
في شط العربِ:
الزورقُ مختبيءٌ بين البرديّ . وحيدٌ .
لم يبقَ من النخلِ سوى أعجازٍ خاويةٍ .
إن سماءً بيضاءَ
سماءً كانت خضراءَ
تمدُّ يديها نحو سماءٍ ثالثةٍ :
" أنا عريانةْ
أنا عريانةْ
ذهبتْ بالنخلِ مدافعُهمْ
ذهبتْ بالأهلِ مدافنُهم
أنا عريانةْ "
والبصرةُ تدخلُ تحتَ شوارعها
تدخلُ تحت الماءِ أُجاجاً
تدخل تحت الكتبِ الموصوفةِ
تدخلُ في الروحِ ولا تخرجُ إلاّ والروحَ ؟
مدينتنا !
مَن ضيّعَ عاداتِ النورسِ ؟
من جاءَ بغربانِ الجثثِ الأولى؟
من جاءكِ بالأكياسِ الرمليةِ يا فيروزَ الشطآنْ ؟
من عضَّ سِباخَكِ بالقتلى ؟
نهرٌ عبّاسيٌّ يحفر مجراه
قروناً هذا النهرُ العبّاسيُّ يتابع مجراه
من أسباخِ الزَّنجِ يتابعُ مجراه
ونحن ، حلمْنا ، يوماً ، أن نوقفَ بالأيدي مجراه ؟
مدينتَنا !
سنظلُّ ؟ وإنْ شِبْنا ؟ أطفالَكِ
نحملُ طلْعَكِ في جيبِ الدشداشةِ
نشربُهُ في حشرجةِ الماء ؟
مدينتَنا !
ما ضِعتِ
وما ضعنا ،
لكنْ ، ضَيَّعَنا الأعداءْ ؟
يا حلو ، يا مصطفى
يا زينة البصرةْ
نوم الهنا ، مصطفى ؟
ما أضيقَ الحفرةْ !