تخطَّ إلى المحتوى

شجر صاف وسماء خضراء

غير معروف

١٣٨ بيت

المتفرقات

شجرٌ صافٍ ، وسماءٌ خضراءْ

وبرائحةٍ من مومباسا يبتلُّ الماءْ

وبرائحةٍ من حنّاءِ البحرِ عرفناكِ وسمّيناكِ . مدينتَنا !

أيامَ أتيناكِ تعلّمْنا كيف يدورُ الفِطْرُ خبيئاً بين الظلِّ

وبين النخلِ ،

تعلّمْنا كيف نؤذِّنُ في العيدِ

وكيف نُلاعبُ أسماكاً هادئةً

كيف نراوغُ حيّاتِ الماء ؟

وتعلّمنا أن نجلسَ أحياناً والغيمَ ؟

كباراً كنّا ؟

وكباراً كانت قطراتُ المطرِ ؟

استَرْوَحْنا زهرَ النوّامِ

عرفنا كيف تكونُ توَيجاتُ الزهرةِ كاللحمِ .

بعيداً في أنهارٍ غامضةِ الأصواتِ نخوضُ .

ومَن أنبتَ هذي العنبةَ عند مُسنّاةِ الجامعِ ؟

مكتبةُ المخطوطاتِ الأولى في جيبِ الدشداشةِ .

سافرتُ بعيداً حتى بابِ سليمانَ

أميري في قلعتهِ النهريةِ كان سجيناً.

حينَ تظاهَرْنا ؟ طلاّبَ المحموديةِ ؟

قالوا ستطاردنا الشرطةُ .

دَخَنّا في البستان المهجور سجائرَنا الأولى ،

وبكَينا من خوفٍ .

رائحةُ الأشَناتِ

السمكُ الميّتُ في القيظِ ؟

قناطرُ تحملُنا

وقناطر تركلنا

وقناطر تغسلنا ،

شُرُفاتُ أميراتِ الهندِ بعيدةْ

والبستانُ بعيدٌ

بابُ سليمانَ بعيدٌ

والبيتُ بعيدٌ ؟

والشمسُ التفّتْ بالسعَفِ اللدْنِ ونامت.

رِجْلُ المعزى

رجْلُ المسحاةِ

ونسمعُ في العتْمةِ خطوَ السّعلاةِ ...

وفي الدمع انطفأتْ نارُ سجائرنا الأولى .

يا حلو ، يا مصطفى

يا قُرّةً للعينْ

نومَ الهنا ... مصطفى

يا أشهلَ العينينْ

غَمِّضْ على خيلنا

والبصرةِ الصّوبَين

تحميك بعد النبي

والسادةِ الألفَين

يحميكَ يا مهجتي

مختارُ " كوتِ الزين "

وردٌ أزرقْ

وسماءٌ حمراءْ

وبأسنانِ الكوسجِ يبتلُّ الماءْ

لا بأسَ ، سأفتحُ جرحاً في كفِّي

لأخبِّيءَ نجماً

ثم أذرُّ دقيقَ الليفِ عليها

وأقولُ سلاماً يا حمّالي سفنِ العالمِ

يا عمالَ قطاراتٍ لم تمنحني تذكرةً أو ذاكرةً ؟

في الليلِ نجوبُ درابينَ الصيفِ

ونفتحُ في جدرانِ رطوبتهِ ثقباً نتنفسُ منهُ ،

ويا أوحالَ صرائفنا ، يا مطرَ الأمطار

فساتينٌ تَزَّيَّنُ بالأطمار

وتكتمُ نجماً ؟

وعباءاتٌ تعتمِرُ البصرةَ كوخاً كوخاً

ومناشيرٌ تخْفُقُ تحتَ سماءٍ حمراء ؟

وبين القُرنةِ والفاوِ:

بساتينُ النخلِ ، وأزهارُ الملحِ

سلاماً للطالعِ

للطّلْعِ

لكل امرأةٍ تحملُ في سُرّتها نجماً قطبيّاً

وتُطَوِّفُ بين القرنةِ والفاو ؟

مدينتَنا !

سبعُ عرائسِ ماءٍ جئنَ إلينا في ليلٍ شتويٍّ ،

قُلْنَ لنا : أبصرْنا سربَ كواسجَ يأتي من جهةِ الغربِ ،

فأبحَرْنا نلقاهُ ؟

لكنْ بزوارقَ من برديٍّ

من ورقٍ

من سعفٍ هشٍّ

أبحرْنا ؟

لكنّ البلطةَ كانت تحْتَزُّ زوارقَنا كالماءِ ،

الماءُ سماءٌ حمراءُ

دمٌ يتدفّقُ مطلولاً بين القرنةِ والفاوِ ، وهذا الكوسجُ

يبحثُ عن نجمٍ قطبيِّ يأكلهُ .

انفتحتْ بوّاباتُ الغربِ ؟

مدينتَنا !

أيَّ طبولٍ نسمعُ في الليلِ الهامدِ ؟

أيُّ حكاياتٍ يسمعها حتى النخلُ

فيذوي منكفيءَ الجذعِ ،

وأيُّ خريفٍ سيطولُ إلى آخرةِ الدنيا ؟

يا حلو ، يامصطفى

يا زينة الشبّانْ

مرّتْ غيومُ العِدا

مرتْ على " حمدان"

يا حلو ، يا مصطفى

هانَ الذي ما هانْ

بعد الندى والندامى

ضعضعوا البنيانْ

يا حلو ، يا مصطفى

يا سدرة البستانْ

يا ليت شمس الضحى

حنّتْ على الولهانْ

تابوتٌ أخضرْ

وسماءٌ بيضاءْ

وبِطَلْعِ النخلةِ يبتلُّ الماءْ

في الضفةِ الأخرى : عمِّي.

في شاطئنا : كان أبي .

في شط العربِ:

الزورقُ مختبيءٌ بين البرديّ . وحيدٌ .

لم يبقَ من النخلِ سوى أعجازٍ خاويةٍ .

إن سماءً بيضاءَ

سماءً كانت خضراءَ

تمدُّ يديها نحو سماءٍ ثالثةٍ :

" أنا عريانةْ

أنا عريانةْ

ذهبتْ بالنخلِ مدافعُهمْ

ذهبتْ بالأهلِ مدافنُهم

أنا عريانةْ "

والبصرةُ تدخلُ تحتَ شوارعها

تدخلُ تحت الماءِ أُجاجاً

تدخل تحت الكتبِ الموصوفةِ

تدخلُ في الروحِ ولا تخرجُ إلاّ والروحَ ؟

مدينتنا !

مَن ضيّعَ عاداتِ النورسِ ؟

من جاءَ بغربانِ الجثثِ الأولى؟

من جاءكِ بالأكياسِ الرمليةِ يا فيروزَ الشطآنْ ؟

من عضَّ سِباخَكِ بالقتلى ؟

نهرٌ عبّاسيٌّ يحفر مجراه

قروناً هذا النهرُ العبّاسيُّ يتابع مجراه

من أسباخِ الزَّنجِ يتابعُ مجراه

ونحن ، حلمْنا ، يوماً ، أن نوقفَ بالأيدي مجراه ؟

مدينتَنا !

سنظلُّ ؟ وإنْ شِبْنا ؟ أطفالَكِ

نحملُ طلْعَكِ في جيبِ الدشداشةِ

نشربُهُ في حشرجةِ الماء ؟

مدينتَنا !

ما ضِعتِ

وما ضعنا ،

لكنْ ، ضَيَّعَنا الأعداءْ ؟

يا حلو ، يا مصطفى

يا زينة البصرةْ

نوم الهنا ، مصطفى ؟

ما أضيقَ الحفرةْ !