تخطَّ إلى المحتوى

الليل والريح أخفت من هنا سكني

غير معروف

٣٦ بيت

المتفرقات

الليلُ والرِّيحُ أخْفَتْ مِن هنا سَكَنِي

أنا الغريبُ الذي يبكي على الوطنِ

أنا البلادُ وسكّاني ضحىً رَحَلوا

ماذا سأصنعُ في أرضي وفي مُدُني؟

يا عذْبَةَ الروحِ كم عانيتُ من عللٍ

أخْفَيْتُهُنَّ أنا خوفاً مِنَ العَلَنِ

يا عذبَةَ الثَّغْرِ أدْمَنْتُ ابتِسامَتَهُ

إلى متى الثَّغْرُ في أَسْرٍ وفي حَزَنِ؟

بكتْ فقلتُ لماذا أنتِ باكيةٌ

لاشئَ قالتْ ودمعٌ سالَ كالمُزَنِ

تبكي وعندي حروقٌ مثلُ حُرْقَتِها

ضعفانِ حتى وكادَ الدَّمعُ يفضحُني

تقولُ ذلكَ أبكاني فقلتُ لها

كفى بُكاءً فقالتْ كيفَ يشتُمُني؟

أبْكاكِ مَنْ لا يرى في الضوءِ ظُلْمَتَهُ

وغْدٌ جبانٌ غبيٌّ غيرُ مُتَّزِنِ

ومِنْ جَمالِكِ إذ تبكينَ صامِتَةً

فما التَّعاسَةُ تأتي مِنْ ذوي الفِطَنِ

عيناكِ كالعُشْبِ في وادٍ يُحيطُ بهِ

حِصْنٌ من الفضَّةِ البيضاءِ كاللبنِ

وفي الخدودِ مروجٌ من نَسَائِمِها

مِسْكٌ بهِ كلَّ يومٍ تنتشي مُدُني

وقالتِ الشَّمْسُ للدنيا بأجْمَعِها

إنَّ العراقَ مداري مُلْهِمي وطني

بنتَ العِراقِ ألا كُفّي مُنافَسَتي

ما عادَ لي فوقَ سطْحِ الأرضِ مِن ثمَنِ

إنسانةٌ أنتِ حقّاً إنما مَلَكٌ

ريحانةٌ لفَّها الرحمنُ في فننِ

خذي اللواحظَ والأيامَ من شرَفي

ومَنْ تَهُنْ عندَهُ الأيّامُ لم يَهُنِ

يا لُؤلُؤاً أنتَ باقٍ في ضمائِرِنا

أغلى وتبقى مضيئاً طيلةَ الزّمَنِ

لطالَما الرِّيحُ في آذانِنا هَمَسَتْ

ولستُ أعرِفُ ما توحيهِ في أُذُني

تقودُني الرِّيحُ مِن بَدْوٍ إلى حَضَرٍ

عَلِّي أُلاقي التي كانتْ تُعَلِّلُني

ويا سُلُوّاً أنا أسلوكَ مِن شَغَفي

بمَنْ تجافتْ ولم تتركْ سوى الدِّمنِ

لا ينسُجُ العيشُ فينا أيَّ عافِيَةٍ

ولا تذوقُ المآقي لذَّةَ الوسَنِ

وليتَ قلبي على هجرٍ يُطاوِعُني

دَفَنْتُ قلبي فجاءَ اليومَ يدْفِنُني

ليتَ الخُزامى طوتْني في ذوائِبِها

لكي أراكِ ومَنْ تخْشَيْنَ لم يَرَني

يا بحرُ يا مَنْ غرِقْنا في سواحِلِهِ

إلى متى فيكَ أبقى أرتجي سُفُني؟

تبدو شفاهُكِ ياقوتاً ومُشتعِلاً

مِن أينَ لي بعظيمِ الحَظِّ والثّمَنِ

لو لم تكونوا أحبَّ العالمينَ لنا

ما طارَ قلبي وجافى بعدَكُم بدَني

كأنَّ كُلَّ مكانٍ عنكِ يسألُني

فأينَ أهرُبُ مِن ذكراكِ يا سَكَني

إني أراها اسْتَقَرَّتْ حيثُ لم أَرَها

وإنَّها لَتَراني حَيثُ لم تَرَني

أفٍّ لدَهرٍ تمادى كي يُفَرِّقَنا

حَقّاً فأبعَدَها عني وأبعَدَني

فلا تكادُ تقيني حينَ أندُبُها

ولا أكادُ أقيها حينَ تَنْدُبُني

وبدَّلَ الدهرُ أوضاعاً وغَيَّرَها

لو غيَّرَ الدَّهْرُ خِلّي لا يُغَيِّرُني

قد سارَ حُبُّكِ مِن قلبي إلى بَصَري

إلى ضميري ومن روحي إلى بَدَني

لو تسألُ الآنَ مَنْ كانوا هنا ومضَوا

ألا يقولونَ قدْ كُنّا ولم نكُنِ؟

يا عذْبَةَ الظِلِّ عودي طالَ بي حَزَنٌ

ومَن سواكِ يواسيني على حَزَني؟

يا مَنْ تُقَرِّبُني حيناً وتُبْعِدُني

حيناً فهلْ بعْدَ هذا الحالِ تَجْمَعُني؟

يا ليتَ بغدادَ بالأحلامِ تجْمَعُنا

إني أُنادي جماداً كيفَ يسمَعُني؟

10-3-1988

بغداد