تخطَّ إلى المحتوى

كلام الروح للأرواح يسري

الوافر

١٤٠ بيت

المتفرقات

كلامُ الُّروحِ للأرواح يسري

وتدركهُ القلوبُ بلا عناءِ

هتفتُ بهِ فطارَ بلا جناحٍ

وشقَّ أنينهُ صدرَ الفضاءِ

ومعدنهُ ترابيٌ ولكن

جرتْ في لفظهِ لغةُ السَّماءِ

لقد فاضتْ دموعُ العشْقِ منِّي

حديثاً كان عُلْوِيَّ النداءِ

فحلَّق في ربا الأفلاك حتَّى

أهاجَ العالم الأعلى بكائي

تحاورَتِ النجومُ وقلن صوتٌ

بقربِ العرشِ موصولُ الدُّعاءِ

وجاوبتِ المجرَّةُ علَّ طيفاً

سرى بينَ الكواكبِ في خَفاءِ

وقالَ البدرُ هذا قلبُ شاكٍ

يواصلُ شدْوهُ عند المساءِ

ولمْ يعرفْ سوى رِضوان صوتي

وما أحراهُ عندي بالوفاءِ

ألمْ أكُ قبلُ في جنَّاتِ عدْنٍ

فأخرجني إلى حينِ قضائي

وقيلَ هو ابن آدمَ في غُرورٍ

تجاوزَ قدرَهُ دونَ ارعواءِ

لقد سَجَدَتْ ملائكةٌ كرامٌ

لهذا الخلقِ من طينٍ وماءِ

يُظَنُّ العلمُ في كيفَ وكمْ

وسرُّ العجزِ عنه في انطواء ِ

وملءُ كؤوسِهِ دمعٌ وشكوى

وفي أنغامهِ صوتُ الرَّجاءِ

فيا هذا لقد أبلغتَ شيئاً

وإنْ أكثرتَ فيه منَ المراءِ .

عَطايانا سحائبُ مُرْسَلاتٍ

ولكنْ ما وجدنا السَّائلينَا

وكلُّ طريقنا نورٌ ونورٌ

ولكن ما رأينا السَّالكينَا

ولم نجدِ الجواهرَ قابلاتٍ

ضياءَ الوحي والنُّور المبينَا

وكان ترابُ آدم غيرَ هذا

وإنْ يكُ أصلهُ ماءً وطينَا

ولو صَدقوا وما في الأرضِ نهرٌ

لأجرينا السَّماءَ لهمْ عُيونَا

وأخضعنا لِمُلْكِهِمُ الثُّريَّا

وشَّيدنا النُّجومَ لهم حُصونَا

ولكن ألْحَدوا في خيرِ دينٍ

بنى في الشَّمسِ مُلكَ الأوَّلينَا

تُراثُ محمَّدٍ قد أهملوه

فعاشوا في الخلائقِ مُهْمَلينَا

تولَّى هادمُو الأصنامِ قُدماً

فعاد َلها أولئك يصنعونَا

أباهم كان إبراهيمَ لكن

أرى أمثال آزر في البنينَا .

وفي أسْلافِكم كانتْ مَزايا

بكلِّ فمٍ لذِكراها نَشِيْدُ

تَضُوعُ شقائقُ الصحراءِ عِطراً

بريَّاها وتبتسمُ الورودُ

فهلْ بقِيَتْ مَحاسنهمْ لديكمْ

فيجمل في دلالكمُ الصُّدودُ

لقد هاموا بخالقهمْ فناءً

فلم يُكتبْ لغيرهِمُ الخُلودُ

وكوثرُ أحمد منكم قريبٌ

ولكنْ شوقكمْ عنهُ بعيدُ .

وكمْ لاحَ الصَّباحُ سناً وبُشرى

وأذَّنتِ القماري والطُّيورُ

وكبَّرتِ الخمائلُ في رُبَاها

مصلِّيَةً فجاوبها الغديرُ

ونومُ صباحكمْ أبداً ثقيلٌ

كأنَّ الصبحَ لمْ يدْركْه نورُ

وأضحى الصَّوم في رمضان قيداً

فليسَ لكم به عزمٌ صبورُ

تمدّن عصرُكم جمع المزايا

وليسَ بغائبٍ إلا الضميرُ .

لقد ذهبَ الوفاءُ فلا وفاءً

وكيف ينالُ عهدي الظالمينَا

إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمانٌ

ولا دُنيا لمن لم يُحْيِ دِينَا

ومنْ رضيَ الحياةَ بغير دينٍ

فقدْ جعلَ الفناء لها قرينَا

وفي التوحيدِ للهممِ اتحادٌ

ولن تبنوا العُلا متفرِّقينَا

تساندتِ الكواكبُ فاستقرَّتْ

ولولا الجاذبيَّة ما بقِينَا .

غَدَوتُم في الدِّيار بلا ديارٍ

وأنتم كالطُّيورِ بلا وكُورِ

وكلُّ صواعقِ الدنيا سِهامٌ

لبيدرِكم وأنتم في غرورِ

أهذا الفقر في علمٍ ومالٍ

وأنتم في القطيعةِ والنُّفورِ

وبيعُ مقابرِ الأجدادِ أضحى

لدى الأحفادِ مدعاةُ الظُّهورِ

سَيُعْجَبُ تاجرو الأصنام قُدماً

إذا سمعوا بتجَّارِ القبورِ .

مِنَ المتقدِّمين إلى المعالي

على نهج الهدايةِ والصَّوابِ

ومِنْ جبهاتهم أنوارُ بيتي

وفي أخلاقهم يُتلى كتابي

أما كانوا جُدُودكم الأوالي

بناةَ المجدِ والفنِّ العجابِ

وليسَ لكم من الماضي تُراثٌ

سوى شَكْوى اللُّغوبِ والاكتئابِ

ومن يكُ يومهُ في العيشِ يأساً

فما غدُهُ سوى يومِ العذابِ .

أتشكو أن ترى الأقوامَ فازوا

بمجدٍ لا يراه النائمونا

مشوا بهدي أوائلكم وجدُّوا

وضيَّعتم تراثَ الأوَّلينا

أيُحْرمُ عاملٌ وردَ المعالي

ويسعدُ بالرُّقيِّ الخاملُونا

أليسَ من العدالةِ أنَّ أرضي

يكون حصادُها للزَّارعينا

تجلِّي النُّور فوق الطُّور باقٍ

فهل بقيَ الكليمُ بطورِ سينا .

ألم يُبعثْ لأمَّتكم نبيٌّ

يوحِّدكم على نهجِ الوئامِ

ومصحفُكم وقبلتُكم جميعاً

منارٌ للأخوةِ والسَّلامِ

وفوق الكلِّ رحمنٌ رحيمٌ

إلهٌ واحدٌ ربُّ الأنامِ

فما نارُ ألفتكم تولَّى

وأمسيتُم حيارى في الظَّلامِ

وحسن اللُّؤلؤ المكنونِ رهنٌ

بصوغِ العِقدِ في حُسْنِ النِّظامِ .

وكيف تغيَّرتْ بكمُ الَّليالي

وكيف تفرَّقت بكمُ الأماني

تركتم دينَ أحمدَ ثم عدْتُم

ضَحايا للهوى أو للهوانِ

رقيُّ الشَّعبِ قد أضحى لديكم

تقرَّرُه صلاحيةُ الزَّمانِ

وكيف تُقاسُ أوهامٌ ولغوٌ

بحكمةِ مُنْزلِ السَّبع المثاني

أرى ناراً قد انقلبتْ رماداً

سوى ظلٍ مريضٍ من دخانِ .

أرى الفقراءَ عبَّاداً تقاةً

قياماً في المساجدِ راكعينا

همُ الأبرارُ في صومٍ وفطرٍ

وبالأسحارِ هُم يستغفرونا

وليس لكم سوى الفقراء سترٌ

يواري عن عيوبكم العُيُونا

أضلَّت أغنياءكم الملاهي

فهم في ريبهم يتردَّدونا

وأهلُ الفقرِ ما زالوا كنوزاً

لدينِ اللهِ ربِّ العالمينا .

أرى التفكيرَ أدركهُ خمولٌ

ولم تبقَ العزائمُ في اشتعالِ

وأصبحَ وعظُكم من غيرِ سحرٍ

ولا نورٌ يُطِلُّ منَ المقالِ

وعند النَّاسِ فلسفة وفكرٌ

ولكن أين تلقين الغزالي

وجلجلةُ الأذان بكلّ أرضٍ

ولكن أين صوتٌ من بلالِ

منائرُكم علت في كلِّ حيٍّ

ومسجدُكم من العبَّادِ خالي .

فأَينَ أئمةٌ وجنودُ صدقٍ

تهاب شَبَاةَ عزمهم الحرابُ

إذا صنعوا فصنعهمُ المعالي

وإنْ قالوا فقولُهم الصَّوابُ

مرادُهم الإلهُ فلا رياءٌ

ونهجهمُ اليقين فلا ارتيابُ

لأمَّتهمْ وللأوطان عاشوا

فليس لهم إلى الدُّنيا طِلابُ

كمثلِ الكأس تبصرها دِهاقاً

وليس لأجلها صُنِع الشَّرابُ .

جهادُ المؤمنينَ لهمْ حياةٌ

ألا إنَّ الحياةَ هيَ الجهادُ

عقائدُهم سواعدُ ناطقاتٌ

وبالأعمالِ يثبت الاعتقادُ

وخوفُ الموتِ للأحياءِ قبرٌ

وخوفُ اللهِ للأحرارِ زادُ

أرى ميراثهم أضحى لديكم

مضاعاً حيثُ قد ضاعَ الرَّشادُ

وليسَ لوارثٍ في الخير حظٌ

إذا لم يحفظِ الإرث اتِّحادُ .

لأيِّ مآثر القوم انتسبتُم

لتكتسبوا فخارَ المسلمينا

فأين مقامُ ذي النورين منكم

ودولة عزِّه دُنيا ودِينا

وفقرُ عليٍّ الأوَّاب هلَّا

ربحتم فيه كنزَ الفاتحينا

أقمتمْ في الذُّنوب وفي الخطايا

وتغتابون حتَّى الصَّالحينا

وهم ستروا عيوب الخلق فضلاً

وإن كانوا أبرَّ المتَّقينا .

أريكةُ قيصرٍ وسريرُ كسرى

قد احتمينا بملكهم العَميمِ

وأنتم تطمحون إلى الثُّريا

بلا عزمٍ ولا قلبٍ سليمِ

تضيعون الإخاءَ وهم أقاموا

صروحَ إخائهم فوق النُّجومِ

طلبتُمْ زهرةَ الدنيا وعدتُم

بلا زهرٍ يضوعُ ولا شميمِ

وكان لديهم البستان محضاً

وهم أصحاب جنات النَّعيمِ .

يعيدُ الكونُ قصَّتهم حديثاً

و يُنشئ من حديثهمُ الفنونَا

فكمْ نَزَحُوا عن الأوكارِ شوقاً

إلى التَّحليق فَوق العالمينَا

ويأسُ شبابكم أدمى خطاهم

فظنُّوا فيهِ بالدِّين الظُنونَا

هي المدنيَّةُ الحمقاءُ ألقت ْ

بهمْ حولَ المذاهب حائرينَا

لقد صنعتْ لهم صنمَ الملاهي

لتحجبَ عنهم الحرمَ الأمينَا .

لقد سئمَ الهوى في البيدِ قيسٌ

وملَّ من الشَّكايةِ والعذابِ

ويحاولُ أن يُباح العشقُ حتى

يرى ليلاه وهي بلا حجابِ

يريدُ سفور وجهِ الحسن لمَّا

رأى وجهَ الغرامِ بلا نقابِ

فهذا العهد أحرقَ كلَّ غرسِ

من الماضي وأغلقَ كلَّ بابِ

لقد أفنتْ صواعقُه المغاني

وعاثتْ في الجبالِ وفي الهضابِ .

هي النَّارُ الجديدة ليس يُلقى

لها حطبٌ سوى المجدِ القديمِ

خُذوا إيمانَ إبراهيمَ تَنْبُتْ

لكمْ في النَّار روضاتُ النَّعيمِ

ويذكو من دم الشهداء وردٌ

سَنِيُّ العطرِ قدسيُّ النسيمِ

ويلمعُ في سماء الكون لونٌ

من العنَّابِ مخضوبُ الأديمِ

فلا تفزعْ إذا المرجانُ أضحى

عقوداً للبراعمِ والكُرومِ .

فكم زالت رياضٌ من رباها

وكم بادت نخيلٌ في البوادي

ولكن نخلةُ الإسلامِ تنمو

على مرِّ العواصف والعوادي

ومجدُك في حِمَى الإسلام باقٍ

بقاءَ الشمس والسَّبع الشِّدادِ

وإنّك يوسفُ في أيِّ مصرٍ

يرى كنعانه كلَّ البلادِ

تسيرُ بك القوافلُ مُسرعاتٍ

بلا جرسٍ ولا ترجيعِ حَادي .

ضياؤكَ مشرقٌ في كلِّ أرضٍ

لأنَّك غير محدودِ المكانِ

بَغَتْ أممُ التَّتار فأدركتْها

من الإيمانِ عاقبةُ الأمانِ

وأصبحَ عابدو الأصنامِ قُدماً

حماة الحِجْر والرُّكن اليماني

فلا تجزع فهذا العصر ليلٌ

وأنت النجم يشرق في كل آنِ

ولا تخش العواصف فيه وانهض

بشعلتك المضيئة في الزمانِ .

أعدْ من مشرقِ التَّوحيد نوراً

يتمُّ به اتحادُ العالمينا

وأنت العطرُ في روض المعالي

فكيف تعيشُ محتبساً دفينا

وأنت نسيمهُ فاحملْ شذاه

ولا تحملْ غبارَ الخاملينا

وأرسل شعلةَ الإيمان شمساً

وصغْ من ذرةٍ جبلاً حصينا

وكن في قمَّة الطوفان موجاً

ومزناً يمطر الغيث الهَتَونا .

فباسم محمدٍ شمسِ البرايا

أقيمت خيمةُ الفلك المُنيرِ

تلألأ في الرياضِ وفي الصحارى

و فوق الموجِ والسيل المغيرِ

ونبضُ الكونِ منه مستمدٌ

حرارته على مرِّ العصورِ

ومن مراكش يغزو صداه

ربوعَ الصِّين بالصوتِ الجهيرِ

وما مشكاةُ هذا النور إلا

ضميرُ المسلمِ الحرِّ الغيُورِ .

ورفعُ الذِّكر للمختار رفعٌ

لقدرك نحو غاياتِ الكمالِ

فكن إنسانَ عينِ الكونِ واشهدْ

مقامك عالياً فوق المعالي

بخنجرِ عزمك الوثَّاب لاحت

على الأعلامِ أنوارُ الهلالِ

نداؤك في العناصر مستجابٌ

إذا دوَّى بصوتٍ من بلالِ

وعقلُك في الخطوبِ أجلُّ درعٍ

وعشقُك خير سيفٍ للنضالِ .

خلافةُ هذه الأرضِ استقرَّت

بمجدكَ وهو للدُّنيا سماءُ

وفي تكبيركَ القدسيِّ يبدو

صغيراً كلَّ ما ضمَّ الفضاءُ

فيا من هبَّ للإسلام يدعو

وأيقظ صدقَ غيرته الوفاءُ

سترفعُ قدرك الأقدارُ حتى

تشاهد أنَّ ساعدك القضاءُ

وقيل لكَ احتكمْ دنيا وأخرى

وشأنكَ والخلودَ كما تشاءُ .