تخطَّ إلى المحتوى

هبت رياح الحاصب الهوجاء

غير معروف

٣٤ بيت

المتفرقات

هَبَّتْ رياح الحاصب الهوجاءِ

ودوى قصيف الرَّعد بالأرجاءِ

والشّمس غابت قبل إدراك الضّحى

تبكي لهول ملمّة الغبراء

والطير بارح والسّماء تنكّرت

بعد السّنوح ورقَّة الأضواء

وتغيّرت كل الوجوه وجُلّلت

كل الجهات بدكنة الظلماء

وأتى نذير السوء يحمل شرّه

يسعى كسعي الحيّة الرقطاء

وأبان ما هَدَّ القوى من نكبةٍ

كانت لعمري أسوأَ الأنباء

فبكيتُ حتى بلَّ دمعي قمّتي

وتقاذفتني لجّة الأرزاء

ونأى صوابي وانهدمت من الأسى

وسرى لهيب النار في الأحشاء

غاب الذي أخذ العقول برمسه

بين النحيب ولاذع البرحاء

وتشبّعت معْه البطولةُ والحجا

وفضائل الأمجاد والكرماء

لو كان يُفدَى راحلٌ لفديته

يومَ الردى بالروح والأعضاء

وقضى عليه وكان أعظم فارسٍ

فغدا بمصرعه من الشُّهداء

حكم القضاء ولا مردَّ لحكمه

إن الخطوبَ حليفةُ العظماء

لم ينجُ مثل الراكبين بوثبةٍ

رغم الصّبا والهمَّة القَعْساء

إلا لأن الموت نقّادُ الورى

يختار جَيّده إلى العلياء

إن الذي جعل الجنان بقربه

جعل المنيّة مصعد السعداء

قد كان يلقاني بوجهٍ باسمٍ

زاهٍ يفيض بنوره الوضّاء

أشكو له صرف الزّمان وغدره

فيقول هذا مذهب الشعراء

ويُبين لي وضح الطريق فأهتدي

ببيانه ومحاسم الآراء

واليومَ جئت ولم أجده بمعهدٍ

لعبت بزهرته يدُ النكباء

ما هذه الدنيا وكلُّ متاعها؟

وحطامُها آلٌ من الإغراء

وجميعُ ما فيها شريط خيالةٍ

أشباحه كالقربة الجوفاء

ماذا أصاب الطفل حتى إنه

قد واجه الدنيا بمرِّ بكاء؟

أَبَكَى وقد ظهرت حقيقة أمرها

لمّا رآها دار كل شقاء؟!

أم كان يبكي خوفَ طول حياته

متذمّرًا بحظوظه السوداء؟!

رُفِعَ الحجابُ عن الصغير فهل يرى

إلا مصائبها بكل جلاء

دنيا الغرور وشاهقاتُ قصورها

قَبْضُ الرياح ورهْنُ كلّ عَفاء

فعلامَ لا يبكي وما كلُّ امرئٍ

إلا صريعُ خطوبها الليلاء

لا يترك الباني ولا بنيانه

وجميع ما فيها مآل فناء

كأسُ الوجود مريرةٌ وحَبابها

زَبَدٌ من الآلام والإيذاء

والمرءُ في بحر الحياة سفِينةٌ

تعلو وتهبط تحت سطح الماء

وإذا حباها البحر بعض هدوئه

ألفيتها قطعًا من الأنواء

والشرُّ في ملهَى الحياة مُهرِّجٌ

والموت فيه ضريبة الأحياء

والموت مكتوبٌ على كل امرئٍ

قبل الوجود بهذه البطحاء