في عمقِ عمقِ الحُسْنِ.. قهوةْ
سوداءُ مثلُ العيشِ.. مرّةْ
لا يستلذُّ بطعمِها إلا المُدجّجُ بالشّجونْ
إلا الّذي يدري بأنّ القلبَ يُبصرُ.. كالعيونْ
والحسنُ يُدركُ مُدْرِكَهْ
فالحسنُ يعرفُ.. من أكونْ!!
وهناكَ.. في حلمٍ بعيدٍ
راحَ يصرخُ عاليًا: إنّي حقيقةْ!
الأرضُ تملؤها الورودْ
والسّحْبُ تملؤها الورودْ
والدّورُ والأسوارُ والأشجارُ والأحجارُ
والدنيا.. الورودْ
حتى الورودُ هناكَ تشعرُ
أنّها حقًّا.. ورودْ..!!
وهناكَ، تحديدًا، وجدتُ فتاةْ
هي مطلقُ الحُسْنِ الذّي تفديهِ حتمًا
هي مطلقُ السّحر الّذي
يُنجيكَ فعلًا
هي مطلقُ الأحلامِ
فاتنةٌ وجاذبةٌ وهادئةٌ
كهدوءِ زهرٍ عائمٍ فوقَ المياهْ
كالشّعرِ لمّا يزدهي
فوقَ الشفاهْ
لا شكَّ، أنتِ مليكةُ الحلمِ الشهيّ!
ومليكةُ الوردِ البهيِّ وأنتِ من
يعطيه كلَّ عبيرِهِ وجمالِهِ وبهائهِ
فالوردُ أنتِ.. وأنتِ وردْ
والوردُ منكِ بَها
إليكِ مشى
وعنك حكى
وفيكِ من الهوى قد ذابَ
آبَ
غَفا
لكنّني، عذرًا..
أخافُ الوردَ، أخشى الشّوكَ
أخشى اللّسعَ يؤلمُ، ثمَّ يُدمي راحتي
وتسوءُ جدًا حالتي
فيكونُ في القلبِ اشتعالا
أنا لا أطيقُ له احتمالا
أنا ذاهبٌ،
أرجوكِ، حالا
فأنا أخافُ صبابتي..!
قالتْ: " فدعكَ من المخاوفِ والظنونْ
يا شاعرًا يهوى الشّجونْ
ويثيرُ دمعًا في العيونْ
وعدي وعهدي لن يمسَّكَ أيُّ ضُرٍّ.. قَطْ
حبّي إليكَ، ولن ترى
إلا الرّضا منّي.. فقطْ
فتعالَ في حضني
وفي عيني.. تكونْ "
كان العناقُ يحرّكُ الطّفلَ الصغيرَ بداخلي
ويقصِّرُ البعدَ الذّي بيني وبيني
مثل غيم زائلِ
ما بيننا صفرُ المسافةِ
واختصارٌ للزمانْ
معنىً عميقٌ للحنانْ
من كلِّ إحساسٍ جميلْ
من كلِّ قلبٍ
لا يهونُ ولا يميلْ
فوجدتُها حبًّا..وأُمًّا
واحتضانْ
شدّتْ ذراعيها عليّ
والدمعُ رقَّ بِمقلتيّ
قالتْ:
"حبيبي.. لا تخفْ
مادمتَ طفلًا في يديّ"
فَهويتُ، سلّمتُ العنانْ
وبكيتُ مثل الطّفلِ
إذ يلقى الأمانْ
وللحظةٍ،
في غَمرةِ العمقِ الكبيرةِ والسّلامْ
وتقاربٍ حَدَّ العظامْ
صوتٌ يزلزلُ كلَّ شيءْ
يتحولُ الحلمُ الجميلُ إلى.. حُطامْ
والأرضُ غيرُ الأرضِ
نيرانٌ وعاصفةٌ وحرٌّ واضطرامْ
ماذا هناك؟
شيئًا
فَ شيئًا
أفلتتْني من ذراعيها
ويدي سَتَفْلِتُ
ثم تُمسكُ
ثم تُفْلَتُ من يديها
عبثًا أحاولُ أن أطاردَها
وأن أدنو إليها
وبنبرةِ الطّفلِ الغريقِ أصيحُ
هل ألقى جوابْ؟
أرجوكِ عودي، أو خذيني في السرابْ
لا تتركيني، أين يا حلمي
تريدينَ الذهابْ؟
أين الوعودْ؟
ولِمَ الورودُ
تحوّلتْ، يا حلمي الأعلى.. أُسودْ؟
رعب الزئيرِ
مخالب الشّوكِ الأليمةِ
في الجلودْ؟
بين اليقينِ
وبين شكٍّ في الوجودْ
قالتْ، وقد كانتْ تباعدُ
تختفي خلفَ السحابةِ والرعودْ:
"قد قلتَها:"حلمٌ"
وإنَّ الحلمَ يأتي مرةً
وبقدْرِ حبِّك لي.. يجودْ
حتّى اذا ما قد صحوتَ
ذهبتُ
واضمحللتُ وهمًا
ثمَّ حتمًا
لا أعودْ..!! "