سُهادِي بليلي وانتباهُ محَاجِري
بدا ليَ كهفًا بَلْ ملاذًا لخاطِري
أقلّبُ عينِي في فضَاءِ حُجَيرتي
وأذهَلُ عنها بالشّرودِ المُحاصِرِ
ألاحقُ أفكَاري كما يلْحقُ الفتَى
فراشاتِ رَوضٍ حلَّقت في البيادِرِ
وأَصْدُرُ عن صُبحٍ إذا لاحَ نورُهُ
وقد أَثّرَ الليلُ الطويلُ بناظِرِي
يُغادرُ قلبي صَوبَ أرضٍ بعيدةٍ
وجِسمي مُسجّىً راقدٌ لم يغادرِ
وأقطُفُ زَهرًا قد تبدَّلَ رَوضُهُ
وأَنزِلُ دَارًا قد خلَتْ مُنذُ غَابرِ
فعقلي إذا جنَّ الظَّلامُ وقد غفَتْ
عُيونُ السَّهارىَ يعتلي جُنحَ طَائرِ
وفاءً لماضٍ قد طوتُهُ سنونُنا
كطيِّ وعاءِ المِسْكِ خَالٍ وعَاطرِ
وما العُمْرُ إلا ذكرياتٌ تزورُنا
وما نَحنُ فيها غيرُ آتٍ وصَادرِ
على العَهدِ يبقى من تزكَّى جَنانُهُ
وليسَ لهُ في السِّرِّ ضِدٌّ لِظاهرِ
أرَى العَهدَ دَينًا والوفاءَ سَجيَّةً
لها الصَّدرُ عِندَ النَّاسِ بينَ المآثرِ
وما حُمدَتْ مثلَ الوفاءِ سجيّةٌ
سِوى صِدقِ قلبٍ أو إقالةِ عَاثرِ
وما شَابَ قومًا من سلوكٍ يعيبُهم
سِوى نَكثِ عهدٍ أو صدارةِ غادرِ
ألم ترَ قومًا كاليهودِ مسارُهم
خيانةُ عَهدٍ واقترافُ الكبائرِ
وقد نَكثُوا كلَّ العهودِ ولم يكُنْ
لهم حِفظُ عَهدٍ في قديمٍ وحاضرِ
يقولونَ ما لا يفعلونَ ولا يُرى
لهم غيرُ غدرٍ أو صنيعةِ ماكرِ
ومن فِتَنٍ حتى يَحينَ معادُنا
ترى يدَهم تُزْكِي لهيبَ المجَامرِ
وكم مِن أنَّاسٍ كالأفاعِي جلُودُها
وتُضمِرُ سُمًّا كامنًا في الضَّمائِرِ
وكم من أناسٍ دائمًا عِندَ عهدِهم
لهم فعلُ غيثٍ إذْ طغَى الجدْبُ ماطِرِ
يحوّلُ أرْضًا قد تشَّققَ وجهُهَا
لمرجٍ ترى فيه الأوابدَ زَاهرِ
وقد ضاقَ شِعري في الوفاءِ ولا أرَى
كلامًا يفي حقَّ الوفَاءِ مُخَامرِي
به أمَرَ القدُّوسُ كُلَّ عِبادِهِ
ومَنْ غَيرُهُ أدَرَى بمَا في السَّرَائِرِ