يا عينُ صُبي من دموعك واذرفي
بكِّي صديقَ العمرِ والخلَ الوفي
بكِّي (أبا حمد) الحبيبَ ومثلُه
يُبكى عليه بحسرةٍ وتلهفِ
بكيِّ على (عيسى) لعل بكاءنا
يشفي الذي نطويه من حزنٍ خفي
بكيِّ عليه وهل يرد بكاؤنا
من كان يفرح بالصديق ويحتفي
بكيِّ عليه وما يرد بكاؤنا
من كان بالله المهيمنِ يكتفي
سمحَ اليمين كريمةٌ أخلاقُه
يعطي ويبذل مالَه للمُعتفي
براً تقياً صائماً متبتلاً
متواضعاً في الحق دون تكلفِ
ما زرته إلا وجدتُ بشاشةً
في عذب مبتسَمٍ وحسنِ تلطفِ
أبكي عليه وما يرجِّع راحلاً
حزني عليه وعبرتي وتأسفي
لكنه جَهدُ المقلِ وهل لنا
إلا الدموعُ نصبها كي نشتفي
في ذمة الله الكريم وحفظه
جسدٌ ثوى بين الصخور الرُصَّفِ
جسدٌ براه الجَهد مما ناله
أنحِف به بين الجسوم وأضعِفِ
لله آلامٌ تحمَّل صابراً
تفري حشاه بمثل حدِّ المشرفي
هجمت عليه تنوشه وتذيبه
حتى تهاوى مثل قاعٍ صفصفِ
لكنه لله ظل مسبحاً
متجلداً رغم العضالِ المُنزفِ
ما رددت شفتاه في قمم الأسى
إلا دعاءً: ربِ بالعبدِ الطفِ
يشكو إلى الرحمن ضراً مسَّه
والله يبتلي الخيارَ ويصطفي
فإذا الرحيم بعبده يختاره
لجواره ولنعم جارُ المنصفِ
وتحررت روحٌ تطاول أسرها
حُبست زماناً في العليلِ المدنَفِ
واستبدل الجسدُ المعذبُ ناضِراً
ترفَ البنان مشى بقدٍ أهيفِ
متنقلاً بين الرُبى في روضةٍ
فرشت بطائنها بخضر الرفرفِ
آواه رب الكون من فردوسه
في جنةٍ فيها المكاره تنتفي
ويقال للروح الطليقةِ: حلقي
وسط الجنان وفي الخمائل رفرفي
وتناولي ما شئت من ثمراتها
ومن القطوف الدانيات فقطِّفي
وردي من العسل المصفى أنهراً
ومن الحليبِ ومن لذيذِ القَرقَفِ
يا ربُّ عبدك قد أتى لك تائباً
أمِّنه من شرِ العذابِ الأخوفِ
قد طالما ضمَّ المصاحفَ تالياً
فانجز له موعودَ ما في المُصحفِ
واحفظ بنيه والبناتِ وأمَّهم
وعلى قلوبهمُ الكليمةِ فاعطفِ
وارحم عجوزاً قد تفطر قلبُها
أسفاً عليه فوجدها لا ينطفي
واجزل مثوبة إخوةٍ ما فيهمُ
من عاجزٍ وانٍ ولا متخلفِ
وقفوا وقد آن الأوان لصبرهم
عند الشدائدِ فيه أكرمَ موقفِ
كم بات (دحمانٌ) يواسي جرحه
يحنو عليه بمثل حلمِ الأحنفِ
فاقبل إلهي برَّهم واغفر لهم
وامسح دموعاً في القلوبِ وكفكفِ
واخلف عليهم من بنيه بصالحٍ
يحذو سبيل المكرماتِ ويقتفي
واجعل من الفردوس مثواهم إذا
ما غادروا دار الفنا والزخرفِ
وعد الإله عباده من فضله
والوعد عند الله ليس بمُخلَفِ