شَغوفاً على شرفةِ الليلِ
أجلسُ في وضَحِ الشّوقِ
ليس معي غير قلبٍ
يحاولُ أن يستعيرَ سماءً، وأرضاً جديدة
يطَوِّفُ كيف يشاءُ
ويعبرُ أغنيةَ الوردِ صافيةَ اللّحنِ
بيضاءَ من غير سوءٍ
ويهبطُ في أمسهِ، ثمّ يصعدُ روحاً إلى غدهِ
لا رياحَ تحاصرهُ .. لا غبار
على وترِ الشّوقِ أعزفُ لحني
هو الشّوقُ..
فجرٌ يهبُّ على خاطرِ الشّعراءِ شفيفاً خفيفاً
ولمّا يهلُّ مساءً يضيءُ المعاني
ويفتحُ بابَ القصيدة
وفي آخرِ الليلِ يعزفُ ترتيلةَ الصّبرِ والجّمرِ
لحناً لمن غادروا لبلادٍ بعيدة
كئيبٌ هو الشّوقُ فينا
كزهرِ البنفسجِ ساجٍ.. يغنّي بصمتٍ
ويدفنُ أحزانهُ في التّرابِ
وحينَ يحنُّ.. يُجنُّ، وينشقُّ عن دمنا
ليغطي سياجَ الحديقةِ
منتظراً لحظةَ الالتقاء ليُعلي نشيده
متى يا حبيبي يُزفُّ اللقاءُ
وتدنو الأماني الشّريدة
على وترِ المستحيلِ أغنّي
بصوتِ الغريقِ أغنّي
فلا الصوتُ يدنيكِ مني..
ولا الماءُ يوصلُ لحني
هو المستحيلُ الذي يسكبُ الليلَ
قهراً بكأسِ الحياةْ
ويلقي بأحلامنا في الهباءِ
هو الجائرُ المُتجبِّرُ يطعنُ خاصرةَ الأمنياتْ
عصيٌّ.. يراوغُنا
يكسرُ الوقتَ..
يُلغي المكانَ، وما كانَ، أو سيكونُ
ويتركنا حائرينَ على هامشِ العمرِ
خِلواً من الرّغباتْ
ونمضي على غُصّةٍ فوق ردمٍ من الذّكرياتْ
على وترِ الذّكرياتِ أغنّي
ويدنو الصّدى طافحاً بالمشاهدِ من كلِّ ركنِ
ومن نصفِ قرنٍ خلا في مرايا السّراب أراهُ
فتىً هارباً من بقيّةِ حلمٍ لفاتنةٍ في العصورِ القديمةِ
في غفلةٍ من تنهُّدها في أقاصي الرِّغاب
لماذا تركتَ القصيدةَ من غيرِ قافيةٍ
وأنَختَ المعاني على الرَّقِّ حائرةً في الضّباب؟
لماذا اتيتَ؟.. وقد كنتَ طيفاً
يجاوزُ حدَّ المكانِ وحدَّ الزمانِ
شفيفاً تحطُّ على أيِّ صدرٍ تشاءُ
وما كنتَ تعرفُ ايلامَ جرحٍ
ولا ستذوقُ بيومٍ زُعافَ الغياب
تركتُ الضياءَ بكاملِ أطيافهِ يتجلى هناكَ
وجئتُ هنا كي أرتِّبَ هذا المساءَ
لأنَّ الرسائلَ قد وصلتني
وصلتُ ورائحةُ الوهَجِ الأنثويِ
تضيءُ الطريقَ أمامي
وأمشي على لغة فجّرتها المشاعرُ
أرفعُ من رعشةِ القلبِ للحب برقاً
يثيرُ السّحابْ
على وترِ الحبِّ هاءنذا من زمانٍ أغنّي
ويعزفُني اللحنُ
أُمسي شفيفاً..
وأنسلُّ من قيدِ صلصاليَ الفوضويِّ
وأسمو إلى الأبدية
(إنانا) أتيتكِ سيدتي
يا رحيقَ السماءِ، ووردتَها
يا رؤاها.. وسرَّ انبعاثِ الطيوبِ
وأنغامَها كلَّ فجرٍ صَبا بالتفاتتكِ العسليّة
(إنانا) تراتيلُ عشقي بهذا الوجودِ
وأجملُ ما قيلَ في الأرضِ شعراً
لعينيكِ يُهدى جليّاً
وحيناً يُسِرُّ ببعضِ المعاني الخفيَّة
(إنانا).. سمائي، ومائي، وأرضي، هوائي، رؤايَ
التي لم تزل فيكِ يا نجمتي السّاحريّة
لتحيا (إنانا)
أتيتكِ والشّمسُ تمشي معي
وتضيءُ تفاصيلَ روحي
اقرئيني كما تشتهينَ.. اسبري غور قلبي
حينها تدركين الحقيقةَ
في اللحظةِ الشّاعرية
(إنانا).. يعودُ الكلامُ إليكِ فَراشاً بلون وُلوعي
لأنّكِ أصلُ القصيدةِ.. سيّدةُ الكلماتِ
عروسٌ بطقسِ الكتابةِ والحلمِ
يا لغتي الأبجديّة
على وترِ الليلِ أعزفُ لحناً
لكي يحضرَ الحلمُ غضاً رشيقاً
ويسري بأوردةِ الليلِ نبضاً رقيقاً
ولا يوقظَ الميّتين
هنا في وِهادِ الفجيعةِ والصمتِ
وقتٌ يَباسٌ يمرُّ على جنباتِ الطّريقِ ثقيلا
يدوسُ على وردةٍ تركت لونَها في النّهار عليلا
هنا تتوحّدُ كلُّ المعاني ببعضٍ
ويُلقي عليها القَتامُ سُدولا
فلا فرقَ..
لا فرقَ بين المجازِ، وكنهِ الحقيقةِ
لا فرقَ بين الخسارةِ، والفوزِ
لا فرقَ بين الحياةِ، وموتٍ شفيفٍ
فكلُّ حضورٍ إذا ما استطالَ سيُمسي رحيلا
هنا تتشكَّلُ كلُّ العناصرِ مع بعضها
ثمّ تسقطُ في الجُّبِّ مُطفأةً لا حراك بها
غير أنّ الرُّؤى تستفِزُّ الطبيعةَ.. تهجرُ أوكارها
لتجولَ هنا أو هناكَ، وتفتحَ للحالمينَ سبيلا
وللشّعراءِ دليلا
هنا يكتبُ الشّعراءُ على رقعة البؤسِ أسماءهم
يقرأون المدى..
يرسمون الغِوايةَ بالزّعفرانِ هديلا
هنا يجفلُ القلبُ
حين تُمسِّدُ كفُّ السماءِ أديمَ الظلامِ
فأمشي على لهَفٍ للضّياءِ عجولا
على وترِ من سنا الضّوءِ جئتُ أغني
لصبحٍ تيمّمَ بالتّبرِ حدَّ انتشاءٍ
ورشَّ المدى عنبرا
ها هي الطُّرقاتُ على جانبيهِ تسيرُ
وتقبسُ ألوانهُ واحداً واحداً
ليجيشَ المدى صوَرا
ها هوَ الصّبحُ يفتحُ أبوابهُ للعبورِ
إلى سلَّمِ الرّغباتِ
نُصعِّدُ أسماءنا للرحابِ التي
هيّأتها الهواجسُ فينا
وننسى لبعضٍ من الوقتِ
أنَّ الظلالَ رماديّةٌ تقطنُ الأرضَ
ليست تطيرُ
وننسى ملامحَنا كلَّ صبحٍ جديدٍ
وننسى بلحظةِ حلمٍ بأنّا نطيشُ على شبرِ ماءٍ
وننسى المسافةَ، والوقتَ، والقدَرا
وَيكأنَّ خُطانا على الأرضِ ذاتُ الخُطى
لا جديدَ بهذا الصّباحِ
ولا طيرَ في الأفقِ يُدني لنا خبرا
ويكأنَّ جداراً أُقيمَ على حدِّ قلبي
فصار المدى حجرا
سأفِرُّ إلى جهةٍ في الفراغِ القصيِّ
وأعزفُ لحناً على ضَجرٍ
ربّما أتوارى هناكَ قليلاً
وأعبرُ طيَّ ظنوني قليلاً
وأقرأُ بي تفاصيلَ أمسي
لأعرفَ نفسي
وأمضي على ثقةٍ بالسّحابِ لداليةٍ
في سفوحِ غدي خلف حدسي