تخطَّ إلى المحتوى

قالوا هرمت وما قلبي الذي هرما

غير معروف

٢٨ بيت

المتفرقات

قالوا هرمْتَ وما قلبي الذي هَرِما

لكنَّه العمرُ يبدي الشيب والسَّأَما!

فما أنا من يرى في الشيب منقصَةً

ولست من يندبُ العمرَ الذي انْصرما

فلا الهروبُ إلى الماضي سيرجعُهُ

ولا البكاءُ على أطلاله ندما

لن يرجعَ الدمعُ ما قد فات لو هُرِقتْ

عند الندامة أنهارُ الدموع دما

قد نلتُ ما تبتغيه النفسُ مقتنعاً

وراضياً بالذي في العيش لي قُسِما

قد اقتربْتُ من الستين وهْيَ لها

عطرُ الوقار لمنْ إحسانه عظُما

سلوا سوايَ الأُلى ناءوا بأنفسهم

إلى الكآبة كم دانوا لها خَدَما!

نظرت وجهيَ في المرآة فارتعدَتْ

مني الفرائصُ مشدوهاً كمن صُدما!

كأنني لم أكنْ من قبلُ منتبهاً

إليه ما مرت الأيامُ بي قُدُما!

حتى شعرْتُ كأني لست أعرفه

أو ناب عينيَّ كيما لا أراه عمى!

رأيت خارطةً دوني مجسمةً

تحوي تضاريسُها القيعانَ والقمما

رأيت أوديةً جفتْ روافدُها

كأنَّ يأجوجَ قد مرتْ بها أمما

رأيت صحراء قفْراً لا نباتَ بها

إلا القتادَ على كثبانها جثَما

وقفت أنظر في المرآة أسألها

ماذا تغير بي في الوجه قد وُسِما؟!

قالت: تأملْ عُبوس الناس كيف غدتْ

منه الوجوهُ صخوراً تشبه الصنما!

قلت: الفؤاد ربيعُ العمر يسكنه

ولن يغادرَهُ إن صحَّ أو سُقما

يأبى الركون إلى الأحزان منصرفاً

عنها بعيداً لآفاق السنى شَمما

يرقى إلى دارةِ الجوزاء معتلياً

على دروب أمانيه بها النُّجُما

قالت: محياكَ مرآة لنفسك ما

يكتمْ بها يُبْدِه كالشمس مرتسِما

بهاءُ وجهك تضفيهِ بشاشته

بالآخرين فلا تُبقي بهم ألما!

نظرتُ ثانية فيها عسايَ أرى

شبابَ أمسي فلاحَ الأمسُ لي حُلُما

ولاح لي تعب الأيام أقرأه

على جبيني كتاباً بالعناء طَمى

فقلت: إنك مرآة مشوهة

كأنَّ سطحك رغم الصقل ما انتظما!

أجابَتِ: العيبُ في عينيك لم ترَيا

سطحي صقيلاً، فما ذنبي لأُتَّهَما؟!

لم تدركا أثراً للضوْء منعكساً

وقد ترقرقَ ما بيني وبينهما!

وبعدما طال صمتي وهْيَ ترقُبُني

جهْماً وقد سئمَتْ من صورتي بَرَما!

قالت– وفي صوتها أصداءُ سخرية:

عسى ابنُ آدم فيك اليوْمَ قد فَهِما...

أنَّ الحياة طريقٌ جدَّ عابرُها

إلى الخلود رضِيَّ النفس مبتسما!