يَا عَازِفَ النَّايِ أَعْزِفْ طَرَبًا وَأَشْجِنِي
فَإِنَّكَ بِالْأَلْحَانِ تَبْعَثُ أَشْجُنِي
وَتُوقِظُ فِي صَدْرِي حَنِينًا مُكَابِرًا
كَأَنَّكَ سِرٌّ فِي الضُّلُوعِ تَمَكَّنِي
سَرَيْتَ بِنَغْمِ الْحُزْنِ حَتَّى كَأَنَّنِي
أَسِيرُ جِرَاحٍ فِي الْهَوَى يَتَبَنَّى نِي
أُجَارِيكَ فِي لَحْنِ الْأَسَى مُتَجَلِّدًا
وَفِي كُلِّ وَتْرٍ مِنْ أَنِينِكَ مَسْكَنِي
إِذَا مَا شَكَوْتُ الْبَيْنَ زِدْتَ صَبَابَتِي
كَأَنَّكَ لَا تَرْضَى بِدَمْعِي مَسْكَنِي
تَزِيدُ اشْتِيَاقِي كُلَّمَا رُمْتُ سُلْوَةً
وَتُوقِدُ فِي أَحْشَائِيَ الشَّوْقَ فَاسْقِنِي
أَنَا ابْنُ الْمَعَالِي لَا أَذِلُّ لِفِتْنَةٍ
وَأَكْتُمُ وَجْدِي وَالْكِبْرِيَاءُ يُزَيِّنُنِي
وَأَرْفَعُ هَامَ الْعِزِّ رَغْمَ انْكِسَارِهِ
كَأَنِّي عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي لَا أَنْثَنِي
فَيَا عَازِفَ الْأَشْجَانِ مَهْلًا فَإِنَّنِي
أَرَى فِيكَ خَصْمًا فِي الْهَوَى يَفْتِنُنِي
تُثِيرُ شُجُونِي ثُمَّ تَمْضِي كَأَنَّمَا
دُمُوعِي عَلَى أَوْتَارِ صَدْرِكَ تَغْتَنِي
أَلَا فَاعْلَمْ أَنِّي عَلَى الْبُعْدِ صَابِرٌ
وَلَكِنَّ قَلْبِي فِي هَوَاكَ يَرْتَهِنِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَخْفَيْتُ نَارَ صَبَابَتِي
فَفِي الصَّدْرِ بُرْكَانٌ مِنَ الشَّوْقِ يَعْنِنِي
سَأَمْضِي كَأَنَّ الْعِشْقَ لَمْ يَكُ قَاتِلِي
وَأَلْبَسُ ثَوْبَ الْعِزِّ كَيْ لَا تَظُنَّنِي
ضَعِيفًا أَمَامَ اللَّحْنِ أَوْ مُسْتَكِينًا
فَإِنِّي عَزِيزُ النَّفْسِ إِنْ خَانَنِي الزَّمَنُ
وَلَكِنْ إِذَا مَرَّ الْخَيَالُ بِخَاطِرِي
تَصَدَّعَ صَبْرِي وَاسْتَعَادَ تَأَنُّنِي
فَأَجْمَعُ شَتَاتِي ثُمَّ أَضْحَكُ سَاخِرًا
كَأَنَّ الَّذِي فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ يُعَنِّنِي
أَنَا مَنْ إِذَا نَادَى الْوَغَى كُنْتُ سَيِّدًا
تَفِرُّ الْجُيُوشُ مِنَ الصَّلِيلِ وَتَرْتَنِي
فَكَيْفَ إِذَا نَادَيْتَنِي بِنَغِيمَةٍ
رَقِيقَةٍ حَالَ الْقَلْبُ حَتَّى أَذَلَّنِي
فَيَا عَازِفَ النَّايِ الَّذِي هَزَّ مُهْجَتِي
رُوَيْدَكَ إِنَّ الشَّوْقَ أَضْنَى وَأَوْهَنَنِي
دَعِ اللَّحْنَ أَوْ زِدْنِي فَإِنِّي مُعَذَّبٌ
وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْكَ أَهْوَى فَفَتِّنِي
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعِشْقُ ذَنْبًا فَإِنَّنِي
رَضِيتُ بِهِ ذَنْبًا يَطِيبُ وَيُغْنِينِي
وَإِنْ كَانَ قَتْلِي فِي هَوَاكَ مُحَقَّقًا
فَمَوْتِي بِهَذَا الْعِشْقِ أَشْرَفُ مَصْرَعِي