سَرَيْتُ وَدُجْنَا اللَّيْلُ مُمْتَدُّ طُرُقِ
كَثَوْبِ سَوَادٍ عَلَى كَوْكَبٍ مُغْرِقِ
وَبِتُّ أُرَاقِبُ بُعْدَ السَّمَاءِ مُهَابًا
وَعَيْنِيَ فِي اللَّيْلِ تَغْرُو غُيُوبَ الأُفُقِ
وَيَخْتَالُ نَجْمٌ عَلَى الأُفُقِ فِي بَهْجَةٍ
كَسَهْمٍ يُغَنِّي فِي فَضَاءِ التَّرَقُّقِ
وَيَبْرُقُ بَرْقُ السَّمَاءِ كَسَيْفٍ مُشِعٍّ
يُفَتِّقُ صَمْتَ اللَّيْلِ فَوْقَ التَّحَلُّقِ
وَيَهْدَأُ رِيحُ الْفَضَا بَعْدَ عَصْفٍ كَأَنَّ
سُكُونَ الْبَرَايَا فِي السَّمَاءِ تَحَقُّقِ
وَأَمْشِي وَفَوْقِي فَضَاءٌ يَمُدُّ امْتِدَادَهْ
كَبُعْدِ امْتِدَادِ السَّمَاءِ إِلَى الْمُتَعَلِّقِ
كَأَنَّ الْكَوَاكِبَ أَعْيُنُ قَوْمٍ تُحَدِّقُ
إِلَى الأَرْضِ مِنْ عُلْيَاهُ فِي كُلِّ مَرْتَقِ
وَتَجْرِي الرِّيَاحُ كَخَيْلٍ تَثُورُ بِقُوَّةٍ
تُغِيرُ عَلَى سُحْبِ السَّمَاءِ بِمَطْلَقِ
وَيَهْطِلُ ضَوْءُ الضِّيَا فِي فَضَا اللَّيْلِ وَاهِبًا
لِظِلِّ الدُّجَى نُورًا يُفَكِّكُ مُغْلَقِ
وَأَسْأَلُ نَفْسِي وَفِي اللَّيْلِ حَيْرَى تَسَاءُلًا
أَيَبْقَى لِهَذَا الْفَضَا آخِرٌ فِي الْمُدَقِّقِ؟
وَأَيْنَ ابْتِدَاءُ السَّمَاءِ وَأَيْنَ انْتِهَاؤُهَا
وَهَلْ لِلْمَدَى حَدٌّ يُرَى فِي التَّحَلُّقِ؟
وَيَبْقَى الْفَضَا صَامِتًا غَيْرَ نُطْقٍ كَأَنَّهُ
جَمُودُ وُجُودٍ فِي سُكُونٍ مُحَقَّقِ
وَأَمْضِي وَفِي صَدْرِيَ الشَّوْقُ يَحْتَرِقُ النَّارُ
كَجَمْرِ الصَّفَا فِي لَيْلِ بُعْدٍ مُحَرِّقِ
وَأَسْمَعُ نَبْضَ الْوُجُودِ خَفِيًّا كَأَنَّهُ
صَدَى الرِّيحِ فِي لَيْلِ الطُّرُقِ المُعْتِقِ
فَيَسْكُنُ قَلْبِي لِسِرِّ الإِلَهِ مُذْعِنًا
وَيَخْضَعُ لِلْحَقِّ الْمُبِينِ الْمُوَثَّقِ
فَمَا الْكَوْنُ إِلَّا كِتَابٌ عَجِيبُ بَيَانِهِ
يُحَيِّرُ فِكْرَ الْعَاقِلِينَ الْمُدَقِّقِ
فَيَبْقَى جَلَالُ الإِلَهِ دَوَامًا وَخَالِدًا
وَيَفْنَى سِوَى كُلِّ الْوُجُودِ الْمُفَرَّقِ
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ حِكْمَةً
وَسَوَّى فَضَاءَ الْكَوْنِ فِي أَحْسَنِ السَّيْقِ
لَهُ الْحَمْدُ فِي سِرٍّ وَجَهْرٍ وَدَائِمًا
يَظَلُّ جَمَالُ الْكَوْنِ فِي فِعْلِهِ النَّقِي
تَعَالَى الإِلَهُ فَوْقَ كُلِّ عِبَادِهِ
وَيَبْقَى سِوَاهُ فَانِيًا غَيْرَ مُبْقِ