عابوا سكوتي وإنّ الصمتَ من رَشَدِ
واللغو مستنفرٌ إلّا لذي إددِ
إنْ أعلنوا لغوَهم أو شأوهم عبَثٌ
فقد عَلَتْ فوق أيدي الخائبينَ يدي
الفصحُ مُعتمدي واللمحُ مستندي
والجمحُ من فَرسي مستتبعُ الشُرُدِ
وما نباحُ كلابِ السوقِ من عذلٍ
مهما علا شأنُها - زأرٌ من الأسدِ
إنّ المعادنَ كُثرٌ في تعددها
لكنّ أجودها ما قلّ في العددِ
قصرُ الكلامِ إذا ما ازدان في خُطبٍ
قد يجذبُ العِينَ والغزلانَ من جرَدِ
والفُصحُ في القولِ ما قلّ الكلامُ بهِ
قولٌ رصينٌ بلا حشوٍ ولا حشَدِ
فصيحُ أقوالنا عند اجتهادِ لهُ
وقعٌ بهيجٌ على آذانِ مجتهدِ
أما كلامُ الذي لم ينطبق فمهُ
طرقٌ على تنكٍ في غرفة الهُجَدِ
يا قومُ ما أعظمَ القرآن منزلةً
للمشركينَ انجلى كالشمسِ للرمدِ
فيهِ الفصاحةُ والتبيانُ مئزرها
بعض يؤازرُ بعضًا شدَّ متّحدِ
كالزهرِ في نمقٍ والبدرِ في شفقٍ
والدرِّ في ألقٍ والبحرِ في زبدِ
ما غيّرتْ لُغتي حربٌ ولا زمنٌ
كالموجِ في صفوهِ ما يضطربْ يزدِ
بادتْ لغاتٌ على مرّ العصورِ وها
حروفها بُسمِرتْ والفُصحُ لم يُبَدِ
كم غيّرتْ غيرَها أزمانُ قائلها
كالفحمِ يضحى رمادًا بعد متقدِ
لكنّ أجدادنا أقوالهم خلَدتْ
كم شاعرٍ قد حدا بالسبسباتِ حدي
فولّدوا الشعرَ من صُلبِ الفصيح وهم
لا ماء في أرضهم لا عيش في رَغَد
يكفيهم الفخر في الأميِّ علمُهمُ
قد أدركوا الوزنَ في الأسبابِ والوتدِ
كانت خيولهمُ ترتاحُ ساكنةً
ما تسمع الصوتَ موزونًا بلا حردِ
يلتحفون السما والأرض مفرشُهم
والنيقُ تُرضعهم محضًا بلا زبدِ
الجودُ ديدنُهم فالضيفُ أكرمُهم
والنُبل يجعلُهم كالسيف في الغمدِ
ذا عاربٌ قد رأى ضيفًا بذمّتهِ
فهمّ في ذبحِ أغلى فديةٍ ولدِ
لولا تدارَكهُ سهمُ كنانتهِ
لكان أقسى أبٍ في الجودِ معتمدِ