إلى ناجي العلي
ستقول لي: أين القصيدةُ؟
غطِّها برفيف روحك يا صديقي
غطِّها بدم يسيلُ
ولا يراه العابرونَ
فغطِّها بالعشب مخضرَّاً على الكلماتِ
بالكلمات منقوشاً عليها الدمعُ
بالدمع النبيل على القصيدةِ
وهي تخطو نحو أسراب من الشهداءِ
أجنحةً مكسرة
إذاً..
في الشعر من يحمي القصيدةَ
من سُعار الزُّخرف اللُّغويَّ
حتى تحتمي بجحيمها الأرضيِّ؟
من يحمي القصيدة من براثنها الجميلةِ
وهي تقبض روحنا وتطيرُ
فوق زرائب الألفاظِ
عبر التيه في هذا المدى؟!
ذهب الذين أحبُّهم،
وبقيت في الصحراء أرقب غيمة ..
أو قطرة !
إذاً.. لم تُعطِ روحكَ
غير هذا الأحمر الدمويِّ..
غير الحب مغموساً بماء النارِ
خفَّف خطوك المجنونِ
هذي الأرض أشواك على قدميكَ
وسِّع خطوة ..
أو صرخة ..
في ربعك الخالي من الأحياءِ
أبحر في المتاهةِ
ليس غير الحلمِ
يحضنه الذين أحبُّهم
وتحبهم..
هل قلتَ أن الحلم تبلغه يداكَ؟
خُطاك تعتصر الحجارةََ
كي تبرعم وردة لنداكَ
وهو يبلُّها
وتبوح بالجمل الأخيرةِ
فوق حبر اللوحة الأولى
إذاً.. عيناك أغمضتا
وأطبقا على القدس البعيدةِ
هاقد اكتملت خطوط دمٍ
يسحُّ على البياضِ
ولا يراه سوى الذين تدثَّروا بالموتِ
كي يهبوا الحياةََ
ولا يراه سوى الذين أحبُّهم
ذهبوا إلى المنفى البعيدِ
إلى حدود النارِ
هل نبكي معاً؟
هل نستضيء بعتمةٍ؟
كم كنت تحلُم أيها الولد الشقيُّ!
وكم صنعتَ على الجريدةِ موطناً
وبنيهِ!..
جسراً ضائعاً نحو الطفولةِ..
حائطاً تبكي عليه إذا انفردتَ..
لكي تصون الحلمَ
يا أنت البعيدُ..
وكن كفَّاً مدمَّى..
خابطاً باب المدى المسدودَ..
كن صخراً.. وشعراً
غارقاً بسمائهِ ودمائهِ
كن لوحة منسية في الطينِ
سخريةً بطعم الدمعِ..
كن زيتونة ..
ملحاً..
جدائلَ برتقال ترتمي
في حضن عرَّاف الفجيعةِ
وهو يروي قصة
.. ودمٌ على الكلماتِ..
فوق الناي..
فوق بياضك المنذور للآتي
الذي يأتي ويرحل دائماً!
لكأن بينك والرحيلِ
حكايةً لا تنتهي
والشعر بَريٌّ
يسافر حافياً خلف القصيدةِ
والقصيدةُ مثل أمٍّ لا تكفُّ عن الحنينِ
حروفها أولادُها
عيناكَ أطبقتا على الرسم الأخيرِ
ولا يراهُ سوى الذين تحبهم
وأحبهم
أنقول للشهداءِ:
عذراً.. سامحونا..
أنتم الخطأ الوحيدُ؟!
قصائد الشعراء ضلَّت دربها يوماً
فقالت فيكمُ شعراً
وغنَّاكم مغنٍّ
أوهمته الناس بالمعنى..
حناجر هاتفينَ
تسلَّلت خطأً إليكم
سامحونا..
نحن أخطأنا
الشهادة سَقطة كبرى
إذاً.. فلنعتذرْ عنها
وناموا حيث أنتم
أنت يا ناجي انسحبْ للظلِّ
واسحب ((حنظله ))
واسكب نبيذاً فوق هذا الجرحِ
أو شمبانيا للمحتفين بنصرِهم
في قبرهم
حتى تتمَّ المهزله