إذا ما كسانا الدهر من صَفْوِهِ بُرْدا
فقد هَدمَتْ أيدي المنون لنا طَوْدا
فما الدهرُ إلا صاعدٌ نازلٌ بما
تدورُ به الأقدار [إن] نحْسًا وإن سعدا
أرى هذه الأيامَ تهتفُ بالورى
وتجمعُهم جمعًا وتطردُهم طرْدا
وياليت أنَّ العارفين ذوي التُّقى
يكونون في الأعمارِ من غيرِهم أمْدَى
ولكنه أمرٌ جرَى بالذي عرَا
فما كان فهْو الحُكْمُ حقّاً فكن عبدا
وقد خطفَتْ أيدي المنونِ خيارَنا
فصِرْنا حيارَى والمدامعُ لا تهدا
وكم زعزعَ الأكبادَ وهي مكينةٌ
نِياحُ اللواتي دمعُهنَّ جرى وَجْدا!
وكم قد صَبَتْ عينُ الصبابة بالبُكا!
وكم جرحَتْ من طول ما جَرَتِ الخَدّا!
وكم قد أذابَتْ وحْشَةُ البين أنفسًا!
وكم قد أشابَتْ من مُلِمّاتها مُرْدا!
فيا عين سِحِّي لا تشحِّي بقطرةٍ
وزيدي بُكا بعد البُكا واجْهدَي جَهدا
لمرْزئةٍ تجري الدموعُ لها أسًى
وثَلْمةِ دينٍ هل تظنُّ لها نِدّا
ذهابُ كريمِ الوقتِ سيِّدُه الذي
نشا راسخًا في العلم مُعتمدًا فرْدا
مشى في سبيل الصالحين مُشمِّرًا
إلى درجات المنتهَى صادقًا وَعْدا
ومن لم يكنْ ذا دمعةٍ من مُلِمَّةٍ
ألمَّتْ بنا رزءًا بها شيخُنا أوْدَى
فذلك شخصٌ غافلٌ رافلٌ على
شؤون الهوى حتى غدا قلبُه صَلْدا
فآهٍ وآهٍ واللَّواعِجُ جَمَّةٌ
على شامخ الأعلام في الإهتدا أهدى
ملمٌّ مقيمٌ مُقعِدٌ موتُ سيِّدٍ
جليلِ حميدِ السَّعيِ ليس له أعدا
له هيبةٌ في العارفين له سنًا
كأنَّ سناهُ الشمسُ كلٌّ بها يُهدى
كريمٌ له القلبُ السليمُ سجيَّةٌ
فلا كَدَرًا تلقى لديه ولا حقدا