يَا قَلْبُ هَلْ تُبْصِرُ الْأَنْوَارَ حِينَ نَمَا
حُبٌّ يُجَلِّلُ بِالْأَسْرَارِ مَنْ حَلَمَا
قَدْ جِئْتُ أُبْحِرُ فِي بَحْرِ الْغَرَامِ وَمَا
غَاصَ الْحَنِينُ سِوَى فِي دَرْبِهِ سَلَمَا
هَذَا الْكِتَابُ رِوَايَاتِي وَأَحْرُفُهَا
قَدْ خَطَّهَا الْعِشْقُ، لَا رِيحٌ وَلَا قَلَمَا
دَخَلْتُ إِلَى قَلْبِ الْحَبِيبَةِ مُبْهَمَا
فَجَلَّتْ بِآيَاتِ الْجَمَالِ تَبَسُّمَا
وَجَدْتُ بِهِ سِحْرًا يَفُوقُ تَفَاصِلِي
كَأَنِّي أَرَى الْأَكْوَانَ تُكْتَبُ رُسُمَا
قُصُورًا مِنَ الْإِحْسَاسِ شُيِّدَتْ بِالْعُلَى
وَأَجْنِحَةً تُهْدِي الْعَبِيرَ مُنْسَجِمَا
نَوَافِذُهَا تَبْكِي ضِيَاءَ مَحَبَّةٍ
إِذَا لَاحَ وَجْهُ الْبَدْرِ زَادَ تَبَرُّمَا
جَدَاوِلُ عِشْقٍ مِنْ عُيُونِكِ تَنْجَلِي
فَتُسْقِي فُؤَادِي بِالْهَوَى حِينَ يُظْلِمَا
بِهَا كُلُّ سِرٍّ فِي الْوُجُودِ تَأَصَّلَا
وَبَابُكِ يُفْضِي لِلْخُلُودِ مُنَعَّمَا
إِذَا مَا تَنَفَّسَتِ الْحَيَاةُ بِلَمْحَةٍ
فَأَنْفَاسُكِ الْبَيْضَاءُ تَغْدُو نُعَمَا
فَلَا الشِّعْرُ يُوفِي مَا وَجَدْتُ بَيَانَهُ
وَلَا الْحَرْفُ يَجْلُو فِي هَوَاكِ تَكَلُّمَا
سَأَجْعَلُ مِنْ هَذَا الْفُؤَادِ مَلْحَمَةً
وَأَرْسُمُ فِي جَنَبَاتِ قَلْبِكِ عَالَمَا
أَتَيْتُكِ يَا سَارَةُ وَالْقَلْبُ رَاحِلٌ
إِلَى حَيْثُ عِشْقٌ فِي دِمَاكِ تَرَسَّمَا
دَخَلْتُ قَلْبًا فَفَاضَ السِّحْرُ وَالْمَغْزَى
مَدِينَةً زَخْرَفَتْ أَسْرَارَهَا كَرَمَا
رَأَيْتُ فِيهَا جِدَارًا يُفْضِي إِلَى حُلُمٍ
وَكُلُّ بَابٍ يُنَادِينِي لَهُ عُلَمَا
سَارَتْ خُطَايَ وَنُورُ الْحُبِّ يَرْفَعُنِي
حَتَّى تَجَلَّى لِيَ الْإِعْجَازُ وَالْحُسْنُ وَمَا
قَالَتْ سَرَائِرُهَا: "كُنْ فِي هَوَانَا مَلِكًا"
فَأَصْبَحَ الْحُبُّ تَاجًا يُشْعِلُ الْغَيْمَا
وَفَاضَ قَلْبِي كَأَنَّهُ الْبَحْرُ مُزْبِدُهُ
يُهَدْهِدُ الرُّوحَ تَطْوِيفًا وَالْغَرَمَا
دَخَلْتُ إِلَى قَلْبِ الْحَبِيبَةِ مُتَيَّمَا
فَشَاهَدْتُ فِيهِ السِّحْرَ يُوقِدُ أجُرُمَا
رَأَيْتُ بِهِ سِرَّ الْخُلُودِ مُحَجَّبًا
وَوَجْهَ الْجَمَالِ يُضِيءُ صُبْحًا مُكَرَّمَا
كَأَنِّي عَلَى أَبْوَابِ فِرْدَوْسِ هَوًى
تَفَتَّحَ بِالْعِطْرِ الزَّكِيِّ وَأَنْعَمَا
فَكُلُّ مَمَرٍّ فِيهِ يَزْهُو بِفِتْنَةٍ
وَيَحْكِي حَكَايَا الْحُبِّ أَنْدَى وَأَكْرَمَا
سَكَنْتُ بِأَرْكَانِ الْقُلُوبِ مُتَيَّمًا
فَلَمْ أَبْقَ إِلَّا عَاشِقًا مُتَظَلِّمَا
هُنَا مُدُنُ الْأَشْوَاقِ تَرْقُصُ فِي دَمِي
وَهُنَا بَسَاتِينُ الْغَرَامِ تُتَرْجَمَا
إِذَا مَا تَنَفَّسَتِ الْجَوَانِحُ نَسْمَةً
فَقَدْ وُلِدَتْ فِي صَدْرِكِ الدُّنْيَا وَسَمَا
فَمَنْ يَسْلُكُ الْأَبْوَابَ يُبْصِرْ جَنَّةً
وَمَنْ يَلْمِسِ الْأَرْوَاحَ يُصْبِحْ مُلْهَمَا
أَنَا شَاعِرٌ يَسْعَى لِيُوصِفَ مُعْجِزًا
فَكَيْفَ يُحِيطُ الشِّعْرُ سِرَّكِ كُلَّمَا؟
رَأَيْتُ الْجَنَاحَ الْأَوَّلَ الْمَيْمُونَ فِيكِ
كَأَنَّ بِهِ الْأَرْوَاحَ تَسْجُدُ عَظَّمَا
جَنَاحُ الصَّفَاءِ النَّاصِعِ الْبِشْرِ دَائِمًا
تَفِيضُ بِهِ الْأَنْوَارُ سِحْرًا مُجَسَّمَا
وَفِيهِ مَمَرٌّ لِلْوَفَاءِ كَأَنَّهُ طَرِيقٌ
إِلَى الْفِرْدَوْسِ يَسْمُو وَيُكْرَمَا
ثُمَّ دَخَلْتُ الْغُرْفَةَ الْأُولَى فَرَأَيْتُهَا
كَسَطْرٍ مِنَ الْأَشْعَارِ يُكْتَبُ مُرَقَّمَا
جِدَارُهَا مِنْ صُبْحِ عَيْنَيْكِ مُشْرِقٌ
وَسَقْفُهُ مِنْ بَوْحِ هَمْسِكِ مُحَكَّمَا
وَأَرْضُهُ مِنْ زَهْرِ خَدَّيْكِ زَاهِرٌ
يُعَانِقُ قَلْبِي كُلَّمَا زَادَ مُغْنَمَا
وَفِي الْغُرْفَةِ الْأُخْرَى خَزَائِنُ فِتْنَةٍ
تُخَبِّئُ أَسْرَارَ الْهَوَى حَيْثُ كُتِّمَا
كُتُبٌ مِنَ الْأَنْفَاسِ تُتْلَى سَرَائِرٌ
وَمَصَاحِفُ الْعُمْرِ الَّذِي فِيكِ قُدِّمَا
وَمِنْ بَعْدِهَا صَعِدْتُ لِلْغُرْفَةِ الَّتِي
تُطِلُّ عَلَى كَوْنِ الْعُشَّاقِ حُلْمَا
رَأَيْتُ نَوَافِذَهَا عُيُونًا كَأَنَّهَا
تُطِلُّ عَلَى بَحْرِ الْغَرَامِ فَأَلْهَمَا
وَفِي الْوَسْطِ بُسْتَانُ عِنَاقٍ مُورِقٌ
يُغَنِّي عَلَى أَوْتَارِ حُبٍّ مُتَرْجَمَا
سَلَكْتُ جَنَاحَ الْعِزِّ، فِيهِ مَمَالِكٌ
مِنَ الْكِبْرِيَاءِ النَّبِيلِ إِذَا احْتَمَى
وَفِيهِ عُرُوشُ الدَّهْرِ قَدْ صِيغَتْ هَوًى
وَمِنْبَرُ عِشْقٍ بِالضِّيَاءِ تَنَعَّمَا
ثُمَّ جَنَاحُ الصَّبْرِ، فِيهِ عَجَائِبٌ
مِنَ الصَّمْتِ يَفْنِي كُلَّ جُرْحٍ إِذَا دَمَا
إِذَا دَخَلَهُ الْعَاشِقُ الْوَلْهَانُ صَارَ
مُحَرَّرًا مِنْ كُلِّ هَمٍّ وَأَوْهَمَا
وَفِي قَلْبِهِ الْأُخْرَى قُصُورٌ مُضِيئَةٌ
بِهَا مَجْلِسُ الْأُنْسِ الَّذِي بِهِ إزْدَّحمَا
سَفَائِنُ أَشْوَاقٍ تُبْحِرُ فِي دَمِي
فَتَتْرُكُ فِي رُوحِي مَرَاسِيَ أَحْكُمَا
وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ وَجَدْتُ مِحْرَابًا
يُصَلِّي بِهِ قَلْبِي إِذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا
كَأَنِّي إِمَامُ الْعَاشِقِينَ إِذَا دَعَوْا
إِلَى قُدْسِ سَارَةَ حَيْثُ يُرْفَعُ سُلَّمَا
وَفِي غُرْفَةٍ أُخْرَى وَجَدْتُ كَوَاكِبًا
تُضِيءُ سَمَاءَ الْعَاطِفَاتِ مُنْسَجِمَا
تَدُورُ عَلَى أَلْحَانِ قَلْبٍ مِثَالُهُ
كَلَامٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ يُسْقِي الْأَنْغُمَا
وَهُنَا جَنَاحُ الطُّهْرِ أَشْرَقَ مَنْزِلًا
فَصَارَ هُوَ الْإِيمَانُ فِينَا مُتَرْجَمَا
كَأَنِّي أَرَى الْمَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ لِي
بِأَوْرَاقِ غُفْرَانٍ كِتَابًا مُعَظَّمَا
ثُمَّ دَخَلْتُ الْغُرْفَةَ الْكُبْرَى فَوَجَدْتُهَا
تُعَانِقُ أَرْوَاحَ السَّمَاوَاتِ أَنْجُمَا
كَأَنَّ بِهَا الْعَرْشَ الْمَجِيدَ مُصَاغَةً
مِنَ الْحُبِّ نُورًا فِي الْقُلُوبِ مُبَرَّمَا
وَفِيهَا قُلُوبُ الطِّيبِ تَسْكُنُ كُلَّهَا
وَتُصْبِحُ بَيْتًا لِلصَّفَاءِ إِذَا نَمَى
وَهُنَا جَنَاحُ الشِّعْرِ فِيهِ قَصَائِدِي
تُعَلَّقُ كَالْأَنْجُمِ الْعُظْمَى عَلَمَا
فَكُنْتُ إِذَا أَنْهَيْتُ بَيْتًا تَفَتَّحَتْ
زُهُورٌ عَلَى جُدْرَانِ قَلْبِكِ أَنْغُمَا
وَفِي آخِرِ الْأَرْوِقَةِ وَجَدْتُ مَسَارِحًا
تُغَنِّي بِهَا الْأَرْوَاحُ لَحْنًا مُجَسَّمَا
وَعِنْدَ الْخِتَامِ رَأَيْتُ صَرْحًا مُضِيئًا
بِهِ يَجْتَمِعُ الْعُشَّاقُ يُتْلُونَ نَغَمَا
فَقُلْتُ: هَذَا الْقَلْبُ أَعْظَمُ مَمْلَكَةٍ
وَمَنْ دَخَلَ الْفِرْدَوْسَ فِيهِ تَعَظَّمَا
دَخَلْتُ بَابَ غُرْفَةِ أَحْلَامٍ فَأَذْهَلَنِي
نَقْشٌ عَلَى الْحَائِطِ يَسْتَفْزِي بِهِ حِكَمَا
وَفِي الزَّوَايَا كَمَا اللُّؤْلُؤِ مُنْتَثِرٌ
صَدَى الضِّيَاءِ يُنَادِينِي تَعَظُّمَّا
فَصِرْتُ فِي الْقَلْبِ بُنْيَانًا يُحَصِّنُنِي
لَا الرِّيحُ تَهْزِمُنِي لَا الْحُزْنُ لَا الظُّلَمَا
سَارَتْ "سَرَاةُ" دُرُوبِ الْعِشْقِ فِي مَدَدٍ
وَأَضْحَتِ الرُّوحُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالْقَلَمَا
إِنْ قَالَ شُعَرَاءُ هَذَا الْفَخْرُ مَا بَلَغُوا
إِنِّي رَسَمْتُ بِحُبِّي أَحْرُفَ الْعَلَمَا
مَدِينَةُ الْقَلْبِ لَنْ تَنْطَفِئْ مَنَابِعُهَا
مَادَامَ فِيهَا "سَرَاةُ" السِّحْرِ وَالنِّعَمَا
وَأَغْلَقَ الْبَابُ يَحْمِينِي وَيَحْمِلُنِي
فَكُنْتُ مَلِكًا عَلَى أَسْوَارِهَا الْحُلُمَا
دَخَلْتُ قَلْبَكِ سَاحِرًا فَتَفَتَّحَا
بِأَلْفِ بَابٍ فَوْقَ بَابٍ مُهَيَّمَا
رَأَيْتُ فِيهِ سُيُوفَ شَوْقٍ لَامِعًا
وَحُرُوفَ عِشْقٍ لَا تُحَاكِي رَقْمَا
وَكَأَنَّهُ كَوْنٌ جَمِيلٌ حَالِمٌ
يَفْضَحُ سِرًّا قَدْ تَجَسَّدَ حُلْمَا
غُرَفٌ تَنَاثَرَ فِي جَوَانِحِهَا
ضِيَاءٌ يُذِيبُ اللَّيْلَ حَتَّى يَنْعَدِمَا
قَدْ صِرْتُ أَسْكُنُ فِي رُبُوعِكِ عَابِرًا
كَالْعِطْرِ يَسْكُنُ فِي الزُّجَاجَةِ مُحْكَمَا
رَأَيْتُ غُرْفَةَ شَاعِرٍ مَلْأَى بِمَا
يُوقِظُ نَبْضًا فِي الْقُلُوبِ مُتَمِّمَا
وَغُرْفَةً أُخْرَى كَأَنَّ جُدْرَانَ الْهَوَى
خُطَّتْ بِمَاءِ الْوَرْدِ فِي لَوْحِ السَّمَا
هُنَاكَ مَكْتَبَةٌ تُفِيضُ كُتُبُهَا
حِكَمَ الْعُيُونِ وَسِحْرَ أَسْرَارِ النُّظُمَا
وَغُرْفَةٌ لِلْحُلْمِ فِيهَا مَوْعِدِي
كَنَجِيمَةٍ سَفَرَتْ فَأَوْقَدَتِ الظُّلَمَا
وَغُرْفَةٌ لِلرِّقَّةِ الْعَذْرَاءِ قَدْ
نَثَرَتْ عَلَى الْأُفُقِ الْبَهِيجِ تَسَلُّمَا
أَرَى الْقَنَادِيلَ الْمُضِيئَةَ حَوْلَنَا
فتَسْرِقُ الْأَرْوَاحَ وَ تَجْلُو الظَّلَامَا
وَفِي جَنَاحِ الْعِشْقِ وَصْفٌ سَاحِرٌ
مَرْسُومُهُ فِي كُلِّ دِقَّةِ عَوْمَنَا
وَغُرْفَةٌ لِلْفَجْرِ فِيهَا وَعْدُنَا
أَنْ نَسْكُنَ الْأَيَّامَ حُبًّا مُبْرَمَا
وَغُرْفَةٌ لِلصِّدْقِ فِيهَا أُنْشِدَتْ
أُغْنِيَةٌ تُحْيِي الْحَيَاةَ تَبَرُّمَا
وَغُرْفَةٌ أُخْرَى كَأَنَّ دُخُولَهَا
يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْجِنَانِ مُعَظَّمَا
دَخَلْتُ إِلَى قَلْبِ الْحَبِيبَةِ فَارْتَمَى
عَلَيَّ سَنَاهَا وَانْجَلَى كُلُّ ظُلْمَا
وَجَدْتُ بِهِ سِحْرًا يُذِيبُ حُجُوبَهُ
وَيُسْقِطُ عَنْ وَجْهِ الْغَرَامِ تَكَتُّمَا
فَقُلْتُ: أَهَذَا الْحُسْنُ حُلْمٌ مُقِيمُنَا
أَمِ النَّفْسُ تَبْنِي فِي الْهَوَى مُسْتَسْلِمَا؟
وَأَقْسَمْتُ أَنْ أَبْقَى بِقَلْبِكِ سَاكِنًا
فَلَا الْخَوْفُ يَثْنِينِي وَلَا الْمَوْتُ يُثْنِمَا
فَسَارَةُ قَدْ أَعْطَتْ لِعُمْرِيَ مَدْخَلًا
إِلَى جَنَّةٍ قَدْ صُغْتُ فِيهَا الْكَلِمَا
وَجَدْتُ جَنَاحَ الْعِشْقِ أَوَّلَ مَدْخَلٍ
كَأَنَّ بِهِ نُورَ السَّمَاوَاتِ مُرْسَمَا
عَلَى جُدْرِهِ آيَاتُ سِحْرٍ مُرَصَّعٍ
وَفِي وَسَطِهِ بَحْرُ الْغَرَامِ مُعَمَّمَا
تَمُرُّ بِهِ الْأَرْوَاحُ تُسْقَى بَهَاءَهَا
فَتُولَدُ فِي مِحْرَابِهِ مُتَنَعِّمَا
وَفِي الرُّكْنِ كُرْسِيُّ الْوِصَالِ مُزَيَّنٌ
يُجَالِسُنِي فِيهِ الْهَوَى مُتَجَذُّمَا
كَأَنِّي مَلِيكٌ فِي مَدِينَةِ حُبِّهَا
أُدِيرُ اللَّيَالِي فِي قُصُورٍ مُحَكَّمَا
دَخَلْتُ إِلَى غُرْفَةِ الْوَجْدِ فَإِذَا
سُطُورُ هَوَاهَا تَحْرُقُ الْقَلْبَ رَحْمَا
جِدَارٌ مِنَ الْيَاسَمِينِ مُكَلَّلٌ
وَسَقْفٌ مِنَ الْأَلْحَانِ يَنْسُجُ نَغْمَا
وَأَرْضٌ مِنَ الطِّيبِ الْمُصَفَّى تَرِقُّ لِي
فَتُمْسِكُ أَقْدَامِي بِعِطْرٍ مُعَلَّمَا
وَفِيهَا سَرِيرُ الشَّوْقِ مَفْرُوشٌ هَوًى
يَنَامُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ ذَلِيلًا مُسْتَلِمَا
فَأَغْفُو عَلَى جَمْرِ اللَّظَى مُتَوَسِّدًا
فَأَبْعَثُ فِي حُضْنِ الْجَمَالِ مُتَيَّمَا
تَقَدَّمْتُ نَحْوَ الْجَنَاحِ الْمُقَدَّسِ
يُحِيطُ بِهِ سِحْرٌ سَمَاوِيٌّ مُبْهَمَا
رَأَيْتُ بِهِ أَنْهَارَ حُبٍّ تَفِيضُنِي
وَتَسْقِي فُؤَادِي لَذَّةً وَتَرَحُّمَا
كَأَنِّي عَلَى أَبْوَابِ جَنَّاتِ رَبِّنَا
وَقَدْ أَلْبَسَتْنِي بِالْهَوَى نُورَ أَرْحَمَا
وَفِيهِ كُتُبُ الشَّوْقِ تُقْرَأُ صَامِتًا
فَتُبْحِرُ رُوحِي فِي مَعَانِيهِ عَظْمَا
فَأَكْتُبُ تَارِيخِي بِمِدَادِ عُيُونِهَا
وَأَجْعَلُهُ سِفْرًا يُخَلِّدُ مُلْهَمَا
وَصَلْتُ إِلَى سَاحَةِ اللُّطْفِ وَابْتَسَمَتْ
نَوَافِذُهَا، وَاسْتَقْبَلَتْنِي مُسَلِّمَا
تَرَى الطَّيْرَ يَغْفُو فِي حِمَاهَا مُطَرِّبًا
وَيَسْكُنُ فِيهَا الْوَرْدُ فَرِحًا مُبَسَّمَا
إِذَا مَا مَشَيْتُ ارْتَجَّ كُلُّ كَيَانِيَ الْ
حَزِينُ وَغَادَرَنِي الشُّحُوبُ مُتَيَّمَا
كَأَنِّي عَلَى عَرْشِ الْبَهَاءِ مُصْعَدٌ
فَلَيْسَ سِوَى سَارَةَ تُدِيرُ الْمُحَكَّمَا
مَلَكْتِ الْفُؤَادَ الْغَضَّ حَتَّى كَأَنَّهُ
مَدِينَةُ عِشْقٍ صِرْتُ فِيهَا الْمُعَظَّمَا
رَأَيْتُ جَنَاحَ الْغَيْرَةِ الْخَضْرَاءِ مُحْكَمًا
وَفِيهِ قُلُوبُ الْعَاشِقِينَ مُخَتَّمَا
جِدَارٌ يُخَافُ اخْتِرَاقُ سَرَائِرِه
كَأَنَّ بِهِ السِّحْرَ الْمَنِيعَ مُكَلَّمَا
إِذَا مَا اقْتَرَبْتُ تَسَاقَطَتْ أَسْرَارُهُ
تَبُوحُ بِعَيْنٍ لَا تُرِيدُ تَكَتُّمَا
فَقُلْتُ: هُنَا يَحْمِي الْحَبِيبُ حُرُوفَهُ
وَيَحْرُسُ مَعْنَاهُ عَفِيفًا مُكَرَّمَا
فَمَا عَابَ قَلْبَ الصَّادِقِينَ حِصَانَةٌ
تُجَمِّلُ فِي رُوحِ الْغَرَامِ مُقَدَّمَا
وَمِنْهُ إِلَى بَهْوِ الرِّضَا قَدْ وَصَلْتُ
فَكَانَ كَحُلْمٍ قَدْ تَجَسَّدَ مُلْهَمَا
عَلَى أَرْضِهِ تَزْهُو السَّكِينَةُ بَاسِمًا
وَتَرْكُضُ فِيهِ الطِّفْلُ ضَاحِكًا مُنَعَّمَا
تُطَالِعُ فِيهِ الشَّمْسَ حُبًّا مُتَوَّجًا
وَتُبْحِرُ فِيهِ الرُّوحُ عَذْبًا مُكَرَّمَا
كَأَنِّي إِذَا مَا جُلْتُ فِيهِ مُتَوَّجٌ
فَأَحْكُمُ دُنْيَا فِي جِنَانٍ مُعَظَّمَا
وَكُلُّ مَكَانٍ فِيهِ يُلْبِسُنِي الْهَوَى
رِدَاءً مِنَ الْأَنْوَارِ صِرْفًا مُبَسَّمَا
دَخَلْتُ قَلْبَكِ إِذْ أَهْوَى فَكَانَ سَمَا
مَفْتُوحَ أَبْوَابِهِ بِالْحُبِّ مُلْتَزِمَا
رَأَيْتُ فِيهِ حَدَائِقَ الْوَرْدِ مُزْهِرَةً
تُهْدِي الْفُؤَادَ عَبِيرَ الصِّدْقِ وَالْكَرَمَا
كَأَنَّهُ مَدِينَةُ عِشْقٍ لَا زَوَالَ لَهَا
مَلِيئَةٌ بِالْمُنَى، بِالصَّفْوِ وَالنَّغَمَا
أَجْنِحَةٌ فِي رُبَاهُ مِنْ تَأَلُّقِهَا
تُرِينَا الرُّوحَ مَجْدَ النُّورِ وَالْعُلَمَا
هُنَاكَ دَارُ الْحَنِينِ الْوَادِعُ انْسَكَبَتْ
فِيهَا دُمُوعِي، وَأَشْوَاقِي، وَمَا انْصَرَمَا
وَفِي جَنَاحِ الْأَمَانِي أَلْفُ مَكْرُمَةٍ
تُسْقِي الْحَكَايَا وَتُحْيِي الْحُلْمَ وَالسَّلَمَا
أَمَّا الْجَنَاحُ الَّذِي يُدْعَى بِمَمْلَكَةٍ
مِنَ الْعُطُورِ، فَكَمْ يُذْكِي الْهَوَى شَبِمَا
فِيهِ الْقُصُورُ، وَأَقْمَارٌ مُزَيَّنَةٌ
كَأَنَّهَا فِي سَمَا الْأَفْلَاكِ قَدْ رَسَمَا
وَأَسْمَعُ اللَّحْنَ مِنْ أَرْوِقَةٍ مُزِجَتْ
بَيْنَ الْغَرَامِ، وَبَيْنَ الشَّوْقِ وَالْوَلَمَا
وَجَدْتُ جَنَاحَ الْوَرْدِ فِي قَلْبِ فَاتِنِي
تَفُوحُ رُبَاهُ بِالْعُطُورِ وَأَنْعَمَا
وُرُودٌ إِذَا مَا مَرَّ قَلْبِي بِظِلِّهَا
نَسِيتُ شَقَايَا، وَارْتَوَيْتُ تَكَرُّمَا
وَمَرْجٌ تَهَادَى فِيهِ لَوْنُ مَحَبَّةٍ
كَطَيْفٍ مِنَ الْإِشْرَاقِ يَغْدُو أَنْجُمَا
سَمِعْتُ بِجُنْحِ الطَّيْرِ لَحْنَ تَغَرُّدٍ
يُسَافِرُ بِي فَوْقَ الْخَيَالِ مُحَلِّمَا
جَنَاحُكِ مُوسِيقَى يُعِيدُ نَشِيدَهُ
فَتُصْبِحُ أَوْتَارُ الْغَرَامِ تَرَنُّمَا
هُنَا غُرْفَةُ الْأَشْوَاقِ تُشْعِلُ جَذْوَةً
إِذَا مَا طَرَقْتُ الْبَابَ زَادَ تَوَهُّمَا
بِهَا مَقْعَدٌ لِلذِّكْرِ، صَوْمَعَةُ الْهَوَى
يُصَلِّي بِهَا قَلْبِي وَيُذْبَحُ مُحْرَمَا
وَرَأَيْتُ فِي أَرْكَانِهَا مِرْآةَ ضَوْءٍ
تَعْكِسُ وُجُوهَ الطُّهْرِ تُبْدِي مَبْسَمَا
وَجَنَاحُكِ الْآتِي جَنَاحُ ذَكَائِرٍ
يُعِيدُ لِيَ الْأَزْمَانَ كَانَتْ مُلْهَمَا
أَرَى فِيهِ طِفْلًا قَدْ حَمَلْتِ ضِيَاءَهُ
يُغَنِّي وَيُهْدِي لِلْبَرَاءَةِ أَنْجُمَا
وَهَا غُرْفَةُ الْأَمَلِ الْمُضِيءِ كَأَنَّهَا
تُعَلِّمُ قَلْبِي كَيْفَ يَهْوَى الْعُظَمَا
بِهَا شَمْعَةٌ تُذْكِي الْحَيَاةَ وَتَسْتَفِي
إِذَا مَا جَنَحْتُ لِلْيَأْسِ زَادَتْ عَزْمَا
جَنَاحُكِ حُلْمٌ فِي مَسَارِحِ خَاطِرِي
يُبَدِّدُ أَوْهَامِي وَيَبْعَثُ مَغْنَمَا
سَرِيرٌ مِنَ الْأَحْلَامِ يُغْفِي خَيَالَهُ
فَيَغْفُو فُؤَادِي بَيْنَ نُورٍ مُلَهَّمَا
هُنَاكَ جَنَاحٌ لِلْغَرَامِ إِذَا بَدَا
تَشَابَكَتِ الْأَرْوَاحُ تَسْبِي حُمَّمَا
تُقَبِّلُنِي الْأَبْوَابُ قَبْلَ وُصُولِهَا
وَتُغْلِقُ خَلْفِي فِي الْحَنِينِ مُحْكَمَا
وَمِنْ غُرْفَةِ الْأَشْجَانِ يُكْتَبُ سِرُّنَا
بِحِبْرٍ مِنَ الدَّمْعِ الْمُقَدَّسِ أَعْظَمَا
وَمَرَرْتُ فِي دِهْلِيزِ قَلْبِكِ فَإِذَا
بِجِدَارِيَّةٍ خَطَّتْ هَوَايَ مُتَرْجَمَا
تَقُولُ: "هُنَا مَرَّ الْحَبِيبُ بِعِشْقِنَا
فَصَارَ مَكَانًا لِلْخُلُودِ مُعَظَّمَا"
جَنَاحُ الْعُطُورِ فِي فُؤَادِكِ مَوْطِنِي
إِذَا مَرَّ عِطْرُكِ صَارَ دَرْبِي مُنَعَّمَا
بِهِ وَرْدَةٌ تَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ شَاهِدًا
بِأَنَّكِ سَيِّدَةُ الْهَوَى وَالْمَكْرُمَا
هُنَا غُرْفَةُ الْأَنْغَامِ تُسْقِي جَمَالَهَا
فَكُلُّ نَغِيمٍ مِنْكِ يُشْعِلُ أَنْغُمَا
وَمَرَرْتُ فِي صَرْحِ الضِّيَاءِ كَأَنَّهُ
سَمَاءٌ تَبَارَتْ فِي هَوَاكِ تَبَسُّمَا
جَنَاحُكِ أَسْرَارٌ، وَغُرْفَةُ سَرْمَدٍ
إِذَا مَا كَشَفْتُ الْبَابَ أَغْلَقَ مُظْلِمَا
وَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا يُحْرِقَ الْقَلْبَ غَيْرُهُ
فَحُبُّكِ يُحْيِينِي وَيُغْنِي مُلْهَمَا
فَهَا هِيَ أَجْنِحَةُ الْفُؤَادِ بِضَيِّهَا
قُصُورٌ مِنَ الْإِحْسَاسِ تُبْنَى نُظُمَا
فِي قَلْبِهَا دَارُ الْوَفَاءِ مُشَيَّدٌ
تَسْمُو جِدَارُ الْعِزِّ فِيهِ سِمَامَا
صَرْحٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ مِنْ جَوْهَرٍ
فَوْقَ السَّمَاءِ مُزَيَّنًا أَنْجُمَا
فِيهِ الْمَكَارِمُ تَسْتَرِيحُ بِظِلِّهِ
وَيَغِيبُ فِيهِ الْجَوْرُ وَالْإِجْرَامَا
وَإِذَا تَجَوَّلْتَ الْجِنَانُ بِدَاخِلٍ
تَلْقَى الْمَسَرَّاتِ الْكِبَارَ عِظَامَا
بَابُ الرَّجَاءِ هُنَاكَ يُفْتَحُ وَاسِعًا
لِلْعَارِفِينَ الصَّادِقِينَ كِرَامَا
جَنَاحُ صَبْرٍ زَخْرَفَتْهُ مَحَاسِنٌ
كَالنَّجْمِ يُهْدِي فِي الدُّجَى إِنْعَامَا
حِيطَانُهُ مِنْ نُورِ حَمْدٍ سَاطِعٍ
وَبُسَاطُهُ ذَهَبًا يُثِيرُ هِيَامَا
فِيهِ الرِّضَا مِفْتَاحُ كُلِّ سَكِينَةٍ
وَيُضِيءُ فِي الْأَرْوَاحِ بَرْقًا خَامَا
مَنْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهِ يَلْقَى الْهُدَى
وَيَرَى الطُّمَأْنِينَةَ الْكِبَارَ قِيَامَا
وَالْجُرْحُ يَبْرَأُ فِي مَكَانٍ شَامِخٍ
قَدْ طَابَ فِيهِ الْعِطْرُ وَالْأَنْسَامَا
صَالَةُ عِزٍّ فِي الْقُلُوبِ تَفَاخَرَتْ
جُدْرَانُهَا بِالْوَعْدِ وَالْإِكْرَامَا
فِيهَا الْمَهَابَةُ تَسْتَوِي بِأُصُولِهَا
وَتَرَى الْقُلُوبَ عَلَى الثَّبَاتِ مَقَامَا
كَأَنَّهَا تَاجُ الْمُلُوكِ مُرَصَّعٌ
يَزْهُو وَيُشْرِقُ كَوْكَبًا بَسَّامَا
فِيهَا الْفُؤَادُ يَعِيشُ فِي أَمْنٍ
وَفِي ظِلِّ الْبَهَاءِ مُعَانِقًا أَحْلَامَا
وَمَدَى الزَّمَانِ يَظَلُّ يَذْكُرُ صَرْحَهَا
وَيُعِيدُ لِلْأَجْيَالِ ذِكْرَى الدَّعْمَا
غُرْفَةُ حُبٍّ لَا تُحَدُّ مَسَاحَةً
بَحْرٌ يُحِيطُ بِمَوْجِهِ الدُّنْيَا مَا
فِيهَا الْعَوَاطِفُ تَسْتَفِيضُ كَسَيْلِهَا
وَتُعِيدُ لِلْأَرْضِ الرُّبَى وَالسِّهَامَا
قِبْلَةُ عُشَّاقٍ تُسَافِرُ نَحْوَهَا
وَالْقَلْبُ يَلْقَى فِي الْوِصَالِ مُقَامَا
فِيهَا الرَّبِيعُ يَفُوحُ وَرْدًا نَاعِمًا
وَيُعِيدُ لِلْأَرْوَاحِ عَهْدًا قُدَّمَا
كَأَنَّهَا جَنَّاتُ عَدْنٍ أُودِعَتْ
سِرَّ الْخُلُودِ وَنَبْعَهُ الدَّوَّامَا
جَنَاحُ شَوْقٍ فِيهِ نَارٌ لَاهِبٌ
لَا تَنْطَفِي مَا دَامَ فِيهِ غَرَامَا
فِي كُلِّ رُكْنٍ يَسْتَرِيحُ لَهِيبُهُ
يُحْيِي الْفُؤَادَ وَيُوقِظُ الْأَحْلَامَا
صَوْتُ الْحَنِينِ يَجُولُ بَيْنَ جِدَارِهِ
مُتَرَدِّدًا يُهْدِي الْفُؤَادَ كَلَامَا
وَمَدَى الْقُلُوبِ إِذَا تَذَوَّقَ طَيْفَهُ
جَعَلَ الْحَيَاةَ نَشِيدَهَا الْمُلْهَمَا
وَكَأَنَّهُ قَوْسُ السَّمَاءِ مُلَوَّنًا
يُهْدِي الْعُيُونَ مَحَبَّةً وَسَلَامَا
قَاعَةُ أُنْسٍ لِلضُّيُوفِ مُهَيَّأَةٌ
يَلْقَى الْجَمِيعُ بِهَا الْوِصَالَ دِعَامَا
تُفْرَشُ بِالْأَزْهَارِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ
وَيُضَاءُ فِيهَا الْمَسْرَحُ الْبَسَّامَا
فِيهَا الْأَحَادِيثُ الْجَمِيلَةُ تَلْتَقِي
وَتَزِيدُ فِي الْأَرْوَاحِ صَفْوًا هَامَا
وَإِذَا الْجُمُوعُ تَحَلَّقَتْ فِي رَحْبِهَا
سَمِعُوا نَشِيدَ الْمَحَبَّةِ تَمَامَا
وَكَأَنَّهَا فَجْرُ الْجِنَانِ مُضِيَّئٌ
قَدْ بَشَّرَ الدُّنْيَا رَبِيعًا دَوَّامَا
مَكْتَبَةُ الْعِلْمِ الْمَنِيفِ مُضِيئَةٌ
صَرْحٌ يَفِيضُ بِحِكْمَةٍ وَحُكَامَا
كُتُبُ الْمَعَارِفِ فِي رُفُوفٍ سَاطِعٍ
تَرْوِي الْعُقُولَ وَتَبْعَثُ الْإِلْهَامَا
فِيهَا الْفُصَاحَةُ وَالرُّؤَى مُتَحَدِّثٌ
وَيُضِيءُ فِيهَا الْبَدْرُ وَالْأَقْلَامَا
كَأَنَّهَا دَرْبُ الْخُلُودِ لِطَالِبٍ
يَلْقَى الْهُدَى وَيُصَاحِبُ الْأَعْلَامَا
فَالْعِلْمُ تَاجٌ فِي جَنَاحِ حَبِيبَتِي
يَسْمُو وَيَرْفَعُ فِي الْحَيَاةِ مَقَامَا
بُسْتَانُ أَحْلَامٍ يُظَلِّلُ قَلْبَهَا
زَهْرٌ تَفَتَّحَ عَاطِرًا وَنَعَامَا
أَلْوَانُهُ فِي كُلِّ نَحْوٍ بَاذِخٍ
وَيُعِيدُ لِلنَّفْسِ الطُّهُورَ سَلَامَا
فِيهِ الطُّيُورُ تُغَرِّدُ أَلْحَانَهَا
وَيَسُودُهُ فَرَحٌ يُزَيِّنُ عَامَا
وَكَأَنَّهُ فِرْدَوْسُ رُوحٍ نَاطِقٌ
يَرْوِي الْحَكَايَا فِي الْحَيَاةِ نَسَامَا
وَالْوَرْدُ يُهْدِي قُبْلَةً فِي مَسْرَحٍ
يَلْقَى الْوُجُودَ بِرِقَّةٍ وَهُيَامَا
دَارُ الْكَرَامَةِ فِي فُؤَادِ حَبِيبَتِي
تُهْدِي الْكِرَامَ وَتَمْنَحُ الْإِطْعَامَا
فِي كُلِّ يَوْمٍ يَسْتَفِيضُ جَوَادُهَا
وَيُغِيثُ مَنْ حَطَّ الرِّحَالَ ظِمَامَا
يُعْطِي الْغَرِيبَ إِذَا أَتَى مُسْتَنْجِدًا
وَيُزِيلُ عَنْ فَقْرِ الضَّعِيفِ سَآمَا
كَأَنَّهَا نَبْعُ السَّخَاءِ بِقَلْبِهَا
يَجْرِي وَيُغْرِقُ فِي الْحَيَاةِ عِظَامَا
وَتَرَى الْمُرُوءَةَ فِي صَمِيمِ جُذُورِهَا
تَرْوِي الْمَدَى وَتُزَيِّنُ الْأَقْدَامَا
صَرْحُ الْوَفَاءِ إِذَا دَخَلْتَ رُبُوعَهُ
تَلْقَى الْعُهُودَ كَصَخْرَةٍ تَتَمَا
لَا يَنْثَنِي عَهْدُ الْحَبِيبِ بِقَلْعَةٍ
فِيهَا الثَّبَاتُ مُمَجَّدًا وَعَزَامَا
وَالصِّدْقُ يَسْرِي فِي جِدَارِ حُصُونِهَا
كَالنُّورِ يَغْشَى فِي الدُّجَى الْأَظْلَامَا
وَإِذَا الْحَيَاةُ دَهَتْكَ فِي مِضْمَارِهَا
يَحْمِيكَ وَعْدُ الْحَبِيبَةِ الْحَامَا
فَتَعِيشُ فِي دَرْبِ الْأَمَانِ مُكَلَّلًا
تَلْقَى الْوَفَاءَ مُعَانِقًا الْإِكْرَامَا
غُرْفَةُ أَحْزَانٍ لَهَا فِي قَلْبِهَا
تَبْكِي وَتُخْفِي بِالدُّمُوعِ سَلَامَا
فِيهَا الشُّجُونُ تَسِيرُ كَالْغَيْمِ الَّذِي
يَذْرُو الْمَطَرْ فِي صَمْتِهِ الْإِلْهَامَا
لَكِنَّهَا تَحْيَا وَتُزْهِرُ بَعْدَهَا
فَتَصِيرُ بَسْمَةَ عَاشِقٍ مُتَمَامَا
مِنْ كُلِّ دَمْعٍ يَنْبُتُ الْوَرْدُ الَّذِي
يَمْلَأُ الْحَيَاةَ نَضَارَةً وَخُزَامَا
وَتَرَى الْجِرَاحَ تَعُودُ زَهْرًا نَاضِرًا
يُهْدِي الْقُلُوبَ بَشَائِرًا وَعَلَامَا
عَرْشُ جَمَالٍ فِي الْفُؤَادِ مُشَيَّدٌ
كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ فِي الضُّحَى إِكْرَامَا
فِيهِ السَّنَا يَتَلَأْلَأُ مُتَفَرِّدًا
وَيُضِيءُ مَا بَيْنَ الْقُلُوبِ دُهَامَا
كَأَنَّهُ دُرٌّ عَلَى بَحْرٍ هَوَى
أَهْدَى الْبَرِيَّةَ سِحْرَهُ الْقَدَّامَا
مَا زَالَ يَسْحَرُ كُلَّ عَاشِقٍ مُسْتَهَامٍ
حَتَّى يُذِيبَ جَبِينَهُ أَحْلَامَا
وَيَظَلُّ تَاجًا فِي الْقُلُوبِ مُقَدَّسًا
مُتَرَنِّمًا بِالْعِشْقِ وَالْإِعْظَامَا
فَمَدِينَةُ الْقَلْبِ الَّتِي فِي حُسْنِهَا
فَاقَتْ جَمِيعَ الْوَصْفِ وَالْإِقْدَامَا
فِيهَا السُّرُورُ وَفِي رُبُوعِ جِنَانِهَا
تَلْقَى الْبَهَاءَ مُكَلَّلًا تَمَامَا
سَارَةُ الْمَحْبُوبَةُ الَّتِي قَلْبُهَا
صَرْحٌ يَفِيضُ حَيَاتَنَا وَإِلْهَامَا
لَوْلَا الْوُجُودُ لَمَا بَدَا فِي سِحْرِهَا
وَجْهُ الْجَمَالِ مُضِيَّئًا بَسَّامَا
هِيَ مَدِينَةُ الْعِشْقِ الَّتِي فِي حُسْنِهَا
تَبْقَى الْخُلُودَ وَتَمْنَحُ الْأَحْلَامَا
وَإِذَا الْحَيَاةُ دَهَتْكَ فِي مِضْمَارِهَا
يَحْمِيكَ وَعْدُ الْحَبِيبَةِ الْحَامَا
فَتَعِيشُ فِي دَرْبِ الْأَمَانِ مُكَلَّلًا
تَلْقَى الْوَفَاءَ مُعَانِقًا الْإِكْرَامَا
غُرْفَةُ أَحْزَانٍ لَهَا فِي قَلْبِهَا
تَبْكِي وَتُخْفِي بِالدُّمُوعِ سَلَامَا
فِيهَا الشُّجُونُ تَسِيرُ كَالْغَيْمِ الَّذِي
يَذْرُو الْمَطَرْ فِي صَمْتِهِ الْإِلْهَامَا
لَكِنَّهَا تَحْيَا وَتُزْهِرُ بَعْدَهَا
فَتَصِيرُ بَسْمَةَ عَاشِقٍ مُتَمَامَا
مِنْ كُلِّ دَمْعٍ يَنْبُتُ الْوَرْدُ الَّذِي
يَمْلَأُ الْحَيَاةَ نَضَارَةً وَخُزَامَا
وَتَرَى الْجِرَاحَ تَعُودُ زَهْرًا نَاضِرًا
يُهْدِي الْقُلُوبَ بَشَائِرًا وَعَلَامَا
عَرْشُ جَمَالٍ فِي الْفُؤَادِ مُشَيَّدٌ
كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ فِي الضُّحَى إِكْرَامَا
فِيهِ السَّنَا يَتَلَأْلَأُ مُتَفَرِّدًا
وَيُضِيءُ مَا بَيْنَ الْقُلُوبِ دُهَامَا
كَأَنَّهُ دُرٌّ عَلَى بَحْرٍ هَوَى
أَهْدَى الْبَرِيَّةَ سِحْرَهُ الْقَدَّامَا
مَا زَالَ يَسْحَرُ كُلَّ عَاشِقٍ مُسْتَهَامٍ
حَتَّى يُذِيبَ جَبِينَهُ أَحْلَامَا
وَيَظَلُّ تَاجًا فِي الْقُلُوبِ مُقَدَّسًا
مُتَرَنِّمًا بِالْعِشْقِ وَالْإِعْظَامَا
فَمَدِينَةُ الْقَلْبِ الَّتِي فِي حُسْنِهَا
فَاقَتْ جَمِيعَ الْوَصْفِ وَالْإِقْدَامَا
فِيهَا السُّرُورُ وَفِي رُبُوعِ جِنَانِهَا
تَلْقَى الْبَهَاءَ مُكَلَّلًا تَمَامَا
سَارَةُ الْمَحْبُوبَةُ الَّتِي قَلْبُهَا
صَرْحٌ يَفِيضُ حَيَاتَنَا وَإِلْهَامَا
لَوْلَا الْوُجُودُ لَمَا بَدَا فِي سِحْرِهَا
وَجْهُ الْجَمَالِ مُضِيَّئًا بَسَّامَا
هِيَ مَدِينَةُ الْعِشْقِ الَّتِي فِي حُسْنِهَا
تَبْقَى الْخُلُودَ وَتَمْنَحُ الْأَحْلَامَا
بَنَيْتُ لَكِ الْقَصْرَ الْمَنِيفَ بِقَلْبِنَا
وَجَعَلْتُهُ بَيْنَ النُّجُومِ مُحْكَمَا
زَرَعْتُ بِرَوْضِكِ أَلْفَ حُبٍّ صَادِقٍ
لِكَيْ لَا تَرَى عَيْنِي سِوَاكِ مُلْهَمَا
كَتَبْتُكِ مَلْحَمَةً عَلَى وِجْدَانِنَا
فَأَنْتِ الْقَصِيدَةُ وَالْكِتَابُ وَالْأُمَّا
فَمَا الشِّعْرُ إِلَّا جُزْءُ قَلْبٍ مُتَيَّمٍ
يُسَافِرُ فِي عِشْقِكِ سُحُبًا وَسُلَّمَا
وَمَا الْحَرْفُ إِلَّا قَطْرَةٌ مِنْ بِحَارِنَا
تُفِيضُ بِذِكْرَاكِ الْعُذُوبَةَ وَالْكَرَمَا
إِذَا مُتُّ يَوْمًا فَاحْتَفَظْتِ بِخَاطِرِي
سَتَبْقَى حُرُوفِي فِي هَوَاكِ مُتَرْجَمَا
سَأُوصِي قَوَافِينَا بِأَنْ لَا تَغِيبَ عَنْكِ
وَأَنْ تَبْقَ ذِكْرَى فِي الْحَشَا مُتَوَسَّمَا
فَفِي قَلْبِ سَارَةَ عِشْتُ دَهْرًا بِأَكْمَلِهِ
وَكُنْتُ أَمِيرَ الْعَاشِقِينَ مُعَظَّمَا
فَلَا الذِّكْرُ يَمْحُو حُبَّ سَارَةَ فِي دَمِي
وَلَا الْمَوْتُ يُنْسِي مَا غَدَا مُتَقَدِّمَا
خَتَمْتُ مَلْحَمَةَ الْهَوَى فِي فُؤَادِهَا
فَكَانَتْ مَدِينَةَ عِشْقِنَا مُتَرْجِمَا
فَهَذَا هُوَ الْقَلْبُ الَّذِي قَدْ سَكَنْتُهُ
فَأَضْحَى لِقَلْبِي بَيْتَ شِعْرٍ مُلْهَمَا
مَدِينَةُ حُبٍّ لَا يُحَاطُ بِوَصْفِهَا
وَلَوْ جُمِعَتْ أَشْعَارُ دَهْرٍ وَأَقْدَمَا
لَقَدْ صُغْتُ مِنْ أَنْوَارِ سَارَةَ مَلْحَمَةً
تُغَالِبُ دِيوَانَ الزَّمَانِ وَأَعْظَمَا
فَمَنْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْلُغَ السِّحْرَ مِثْلَهَا
فَلْيَكْتُبْ عَلَى الْأَزْمَانِ شِعْرًا مُلْهَمَا
أَنَا شَاعِرٌ أَهْدَى الْقَصَائِدَ كُلَّهَا
إِلَى قَلْبِ مَنْ أَحْيَا الْفُؤَادَ وَأَنْعَمَا
وَفِي كُلِّ بَيْتٍ أَلْفُ حُبٍّ مُورِقٍ
يُبَارِكُ أَيَّامًا بِصَدْرِكِ أَنْجُمَا
سَلَامٌ عَلَى الْقَلْبِ الَّذِي فِيهِ جَنَّتِي
وَمَنْ مَسَّ أَطْرَافَ الْحُرُوفِ تَسَلَّمَا
فَيَا لَيْتَ هَذَا الشِّعْرَ يَبْقَى خَالِدًا
كَصَوْتِ الْهَوَى إِذْ يَسْتَفِيضُ مُلْهَمَا
كَتَبْتُ عَلَى الْأَزْمَانِ أَنِّي عَاشِقٌ
لِسَارَةَ مَا أَبْقَى الزَّمَانُ وَأَقْدَمَا
وَمَا الشِّعْرُ إِلَّا وَرْدَةٌ مِنْ فُؤَادِهَا
تُسَافِرُ بِي حَتَّى أَرَى الْمَجْدَ قُدَّمَا
وَهَكَذَا يَا فُؤَادِي قَدْ رَسَمْتُ هُنَا
مَلْحَمَةَ الْعِشْقِ، مَا غَابَتْ وَلَا انْهَزَمَا
فِي قَلْبِ سَارَةَ، لَيْلُ الْحُسْنِ قَدْ وُلِدَتْ
شَمْسُ الضِّيَاءِ، فَأَمْسَى وَجْهُهَا عَلَمَا
لَا الشِّعْرُ يُدْرِكُ أَوْصَافَ الْجَمَالِ وَلَا
يَكْفِي الْكَلَامُ، فَظَلَّتْ فِي الْوَرَى حُلْمَا
فَاحْفَظْ إِلَهِي لَهَا فِي الْعُمْرِ بَهْجَتَهَا
وَاجْعَلْ فُؤَادَ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ نَعَمَا
يَا قَلْبُ قِفْ عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ كَيْ
تُصَلِّيَ لِلْوَصْلِ، لَا تَبْغِي بِهِ سَلَمَا