لينتثرْ فتاتُ لحمنا على جناح عيشنا الغريبْ
ولنتغرّبْ في قفار العمر والسهوبْ
ولننكسرْ في كل يومٍ مرتينْ
فمرةً حين نقابل الضياءْ
ومرةً حين تذوب الشمس في الغروبْ
فقد أردنا أن نرى أوسعَ من أحداقنا
وأن نطول باليد القصيرة المجذوذة الأصابع
سماءَ أمنيّاتنا
الله يا وحدتي المغلقة الأبوابْ
الله لو منحتني الصفاءْ
الله لو جلست في ظلالك الوارفة اللفَّاءْ
أجدل حبل الخوف والسأمْ
طول نهاري
أشنق فيه العالم الذي تركته ورا جداري
ثم أنام غارقًا، فلا يغوص لي
حُلُمْ
حين تصير الرغبات أمنياتْ
لأنها بعيدة المطال في السما
ثم تصير الأمنيات وَهْما
لأنها تقنّعت بالغيم والضبابْ
وهاجرت مع السحابْ
واستوطنت أعاليَ الهضابْ
ثم يصير الوهم أحلاما
لأنه مات، فلا يطرق سور النفس إلا حين يظلم المساءْ
كأنه أشباح ميتين من أحبابنا
ثم يصير الحلم يأسًا قاتمًا وعارضًا ثقيلا
أهدابنا
أثقل من أن ترى
وإن رأت فما يرى العميانْ؟
أقدامنا
أثقل من أن تنقل الخطى
وإن خطت تشابكت، ثم سقطنا هزأةً كبهلوانْ
نصرخ، يا ربنا العظيم، يا إلهنا
أليس يكفي أننا موتى بلا أكفانْ
حتى تذلّ زهونا وكبرياءنا؟
حزني ثقيلٌ فادحٌ هذا المساءْ
كأنه عذاب مصفّدين في السعيرْ
حزني غريب الأبوينْ
لأنه تَكوَّن ابنَ لحظةٍ مفاجئه
ما مخضته بطنْ
أراه فجأةً إذا يمتدّ وسط ضحكتي
مكتملَ الخلقة، موفور البدنْ
كأنه استيقظ من تحت الركامْ
بعد سُباتٍ في الدهورْ
لقد بلوت الحزنَ حين يزحم الهواء كالدخانْ
فيوقظ الحنينَ، هل نرى صحابنا المسافرينْ
أحبابنا المهاجرينْ
وهل يعود يومنا الذي مضى من رحلة الزمانْ؟
ثم بلوت الحزن حين يلتوي كأفعوانْ
فيعصر الفؤاد ثم يخنقه
وبعد لحظةٍ من الإسار يعتقه
ثم بلوت الحزن حينما يفيض جدولاً من اللهيبْ
نملأ منه كأسنا، ونحن نمضي في حدائق التذكّراتْ
ثم يمر ليلنا الكئيبْ
ويشرق النهار باعثًا من المماتْ
جذورَ فرحنا الجديبْ
لكنّ هذا الحزن مسخٌ غامضٌ، مستوحشٌ، غريبْ
فقل له يا ربِّ، أن يفارقَ الديارْ
لأنني أريد أن أعيش في النهارْ
يا ربنا العظيم، يا معذبي
يا ناسجَ الأحلام في العيونْ
يا زارعَ اليقين والظنونْ
يا مرسلَ الآلام والأفراح والشجونْ
اخترتَ لي،
لشدّ ما أوجعتتي
ألم أخلص بعد،
أم ترى نسيتني؟
الويل لي، نسيتني
نسيتني
نسيتني