تذكَّرَ فانهلَّتْ مدامعُه تَتْرَى
لياليَ مرّت في دمشقَ له غرَّا
تراءت له كالطّيف مرَّ بهجعة
فمالت به أعطافُه نحوها سكْرَى
فراح طليقَ الدمع في قبضة الأسَى
وما كلُّ شوق لا تُهيِّجه الذكْرَى
على جِلَّقٍ، لا روَّع الله جلّقًا
ولا أعملتْ فيها ذئابُ العدَا ظُفْرا
سَقَى نيْرَبيها الزاهرَيْن، ودُمَّرًا
إلى الشرف الأعلَى مُلِثُّ الحَيا قَطْرا
فلو جال ما بين البريد ومرجها
«عليٌّ» لأنسَتْه الرُّصافةَ والجسرا
إذا خفتَ ضيمًا في بلادك فالتمس
لنفسك قبل الذلِّ في غيرها وَكْرا
فمن بات في أوطانه بين قومه
غريبًا نأى عنها، وأوسعَها هَجْرا
وإما نبا قُطْرٌ بذي اللُّبِّ أصْعدتْ
به عَزَماتٌ يبتغي غيرَهُ قُطْرا
وإنّ بلادًا لم تسعْني رِحابُها
فليس انْتِوائي عن مرابعها إمْرا
ركبنا قطارَ ابنِ البخار فأوجَفتْ
خُطاه بنا تَفْري المهامِهَ والقفرا
مضَى وهو مأمون العِثار كأنه
يسابق في أفلاكها الأنجمُ الزُّهْرا
هَوَى عن جبال الشام وهْيَ شوامخ
وأصعد ميمونًا يَؤمُّ بنا مصرا
يشابهني حزنًا وشوقًا وحُرْقةً
فكلٌّ له عند السُّرَى كبدٌ حَرَّى
به مِثْل مابي، من جوًى وصبابة
فأدمعه سكب ولي عبرة تَتْرى
تجلَّد ملتاعًا، وحاولتُ مثلَهُ
تجلُّدَ ملتاع، فلم تكن الأخرى
إلى أمَّة ما خامر الجبن قلبها
ولا أضمرت يومًا لدَى حادث ذُعْرا
إذا ما دنا أعداؤها في عدائها
لساح الوغَى فِتْرًا، نزت نحوها شبرا
وعن أمَّةٍ لا أخمَدَ الله عزمَها
وأطلعَها في كل داجيةٍ فجرا
ولكنها لا كدَّرَ الله عيشها
غدت بيد الأيام تقتلها صبرا
أقول لنفسي والأسَى تسفع الحشا
لَواذِعُه، صبرًا، لعلّ لها عُذْرا