أعرْني لسانَ الدهر، فالدهرُ شاعرٌ
متى رام فحلَ القول ينهلُّ ساكبُهْ
وإلا فدعْني والدّراريْ ثواقبًا
يُزان بها جِيدُ الزمان وغاربُهْ
أفصِّل منها في جلال محمَّدٍ
فرائدَ أدناها السُّهَا ومراقبه
نبيٌّ حَبا عدنانَ فضلاً وسؤددًا
فعمَّتْ جميعَ العالمين مواهبُه
أخو هِمَمٍ لا يُدرك الدهرُ شَأْوَها
ويجهلُها أعداؤه وأقاربه
رأى الكون في تَيْهاءَ طامٍ ظلامُها
تشقّ عُباب الظّلم جهلاً قواربه
فأُطلع في آفاقه الحقُّ ساطعًا
إلى أن أصاب الحقَّ في الليل صاحبه
وقيدت له الدنيا مَقادةَ طائع
ذَلولٍ فكانت في سواها مآربه
محمدُ إن الشّعر عنك لقاصرٌ
وشَأْوُ بياني دون ما أنا طالبه
أتيتَ وقد شاخ الزمانُ فردَّه
نَداك فتيّاً بعد ما ارْبَدَّ حالبه
سطعتَ وليلُ الغيِّ مُلقٍ جرانَه
على الكون تَهْمي بالرَّزايا سحائبه
يُواتيك وحْيٌ لا يُرام ومنطقٌ
بوادره محمودةٌ وعواقبه
فجئْتَ بقرآن حَوَى كلَّ حكمةٍ
أنارتْ مناحي الداجيات كواكبه
يُنصُّ فتُصْمي الظالمين حدوده
ويُتْلَى فتُردي المارقين ثواقبُه
يدٌ تحمل الفرقانَ عدلاً ورحمةً
وأخرَى تُقلُّ السّيف تَفْري مضاربه
فحررتَ من أسر الجهالة أنفسًا
وقد رانها التّضليل سودًا سبائبه
بثثتَ بها حبَّ الإباء، فلم تُقم
على الضّيم، بل هبّتْ إليه تحاربه
وقوّمتَ من زيغ الأعاريب فاستووا
على منهج ٍللعدل يأمَنُ راكبه
ورُضتَ جِماحَ المستبدين راكبًا
من الحقّ متنًا لا تَلوّى مذاهبه
ودافعت عن ذات الإله بعزمةٍ
متى رامت الجبَّار صاحت نوادبه
تلطَّفْت بالغاوي، فطورًا تُلينه
وحينًا تُصاديه، وآنًا تغالبه
جلوت عَمايات القلوب فأبصرت
وزيحت عن اللبِّ السليم عناكبه
عطفت على «إسْرالِ» عطفةَ مشفقٍ
وحُطْت الفتَى النصران ممَّن يناصبه
وأوصيتَ خيرًا بالكنائس مانعًا
ذويها وجيشُ الحق تمضي قَواضبه
وزدْتَ الفتى عدنانَ مجْدًا وجدَّه
أبا يعْربٍ قحطانَ تعلو مناسبه
صقلتَ حواشي الدّهر فانصاع طَيِّعًا
وأذْعنَ لا تَسْري بشرٍّ عقاربه
وقلمتَ أظفار الزمان فأعرضت
عن الضّارع المسكين تَنْأى نوائبه
إلى أنْ تركتَ العدل، عالٍ مكانه
وزَعْزعت صرْح الظّلم فانهار جانبه
وذي أشرٍ أفعمتَ بالخير قلبه
وقد أُفْعمت بالشرّ قبلاً ترائبُه
وذي دِرْبةٍ رازَ الزّمان تركتَه
كذي الجهل ما أجدتْ عليه تجاربه
وغضْبةِ حقٍّ في علا العُرْب غادرت
عدوَّ بني عدنانَ سُفْلاً مراتبه
وفيلَقِ ظلمٍ سار كالبحر زاخرًا
يجرّ به ذيلَ الغواية ساحبه
بعثتَ به جيشًا من الرّعب فارْعَوَى
تضيق به أجوازه وسَبَاسِبُه
يخفُّ إليكَ الدارعون مخافةً
وقد أمِنَتْ أطفاله وكواعبه
تَحوطك من عُلْيا قريشَ عصابةٌ
لها الفلَكُ الدوار تَعْنو ذوائبه
دفعتَ بهم ما بين شرقٍ ومَغْربٍ
كتائبَ عزم نائيات رغائبه
إذا مَرَّ منهم موكبٌ لاحَ موكبٌ
تمجُّ، زعافَ الموت صِرْفًا مقانبُه
يرومون مجدًا لا تَنِي عَزَماتهم
عن المجد، حتى يُدْركَ المجدَ خاطبه
قذفْتَ بهم في وجْهِ كل عظيمةٍ
فخاضوا إليها الهول دُهْمًا مساربه
فأَسْأرت للأقوام في كل وُجْهةٍ
ندًى لم تُشِبْهُ بالأذاةِ شَوائبُه
وغادرتَ للإسلام صرحًا ممرَّدًا
تُناطح أعنان السّماء مناكبه
فلا زالَ من فُرقانك البَرِّ للوَرى
مناهلُ هدْيٍ صافياتٍ مشاربه