أَتْرعِ الكأْسَ من رحيق الأماني
وأَدِرْها تحكي الشُّعاع الموَقَّدْ
وابتهجْ فالغصون أبدت حَلاها
مائساتٍ وبلبلُ الروض غرَّد
والسماواتُ زيَّنتها الدراريْ
يومَ ميلاد خاتم الرُّسْلِ أحمد
طلب الدَّهرُ من بنيه مثالاً
للعلا والهوى فكان محمّد
طالَعَ الكونَ منه نورُ يقينٍ
فمحا ظلمةَ الشكوك وبدَّد
سل قريشًا عن عزمه وثقيفًا
هل ثناه من ازدرى وتوَعَّد
لَبِسَ الصبر واليقين قميصًا
دونه قوةُ الدِّلاص المسَرَّد
ومشى لا يني بعزمٍ صحيحٍ
بين جمعٍ من العدا وهو أوحَد
هي تسعى لكيْ يموتَ ويشقى
وهو يسعى لكي تعيش وتسعَد
ورَعَتْهُ عين العناية لمَّا
أجمعوا أمرهم فغار وأنجَد
وغدا الغارُ بابُه مذْ حواه
بخيوطٍ من العناكب مُوصَد
وإذا القولُ صاغه ذو بيانٍ
فاق في سحره الجُمانَ المنضَّد
وإذا الرأي جاء فيه حكيمٌ
بزَّ في فعْله الحسام المجرَّد
وإذا الحقُّ لم يؤيَّد بسَيْفٍ
كان كالليث واهيَ الظلفِ أدْرَد
ثُمَّ فاءت للرشد فيهم رجالٌ
فاستداروا حول الرئيس المسَدَّد
بايعوه على الحِمام وقاموا
بحقوق الوفاء في كل مشْهَد
ثم أَمُّوا البيت الحرام ببِيضٍ
كان منها صبحٌ على الكفر أسوَد
وإذا الضَّعْفُ قد تحوَّل بأسًا
صيَّر الأقوياء طُعْمَ المهنَّد
وإذا باليتيم في الأمس يعنو
لاسْمِه كلُّ سيِّدٍ ومسوَّد
وإذا بالضعيف في الغار يُمسي
في قريشٍ وهْو المطاع المؤيَّد
وإذا فكرةُ الرسالة تعلو
في سما المجد كلَّ نجمٍ وفرقَد
وإذا آيةُ المساواة تُنْجِي
من وثاق الهوان كلَّ مقيَّد
وإذا العُرْبُ بعد كفرٍ وبغيٍ
رُكَّعٌ للإله طرّاً وسُجَّد
جمع الله ما تفرّق منهم
بهداه من العلوم ووقَّد