سَلاماً أَيُّها الوَهْجُ البَعيدُ
مَتى يَتَوَهَّجُ الحَرْفُ البَليدُ
وَ تُوْلَدُ في حُشاشَتِهِ حَياةٌ
كَما يَتَنَفَّسُ الصُّبْحُ الوَليدُ
لَقَدْ فَقَدَ الأَناقَةَ مُنْذُ دَهْرٍ
وَفي أَعْماقِهِ جَفَّ النَّشيدُ
فَلَمْ تَرْأَفْ بِمُهْجَتِهِ دُعَيْدٌ
وَ لا رَقَّتْ لِصَبْوَتِهُ أَنيدُ
تُغَطِّيهِ الثُّلوجُ فَإِنَّ فيهِ
رَبيعاً غالَهُ القُرُّ الشَّديدُ
فَما ابْتَسَمَتْ أَزاهِرُها القَوافي
وَقَدْ ذَبُلَتْ كَما ذَبُلَ القَصيدُ
أَما في العُمْرِ شَوْطٌ أَرْتَجيهِ
بِهِ يَتَجَسَّدُ الحُلْمُ الجَديدُ
أَم الدُّنْيا رَمَتْني في قَرارٍ
بِهِ لا يَحْلُمُ القَلْبُ العَميدُ
وَهْلْ يَبدوغريباً حَينَ يَهْوى
عَجوزٌ شَفَّهُ الحُسْنُ الفريدُ
تَعَذَّبَ بالغَرامِ فَتىً غَريراً
وَجَرَّحَهُ التَواصُلُ والصُّدودُ
وَخاضَ مُغامِراً بَحْرَ الغَواني
عَلى أثْباجِهِ مَوْتٌ أَكيدُ
فَلَمْ يَأْبَهْ وَيَمْلَؤُهُ فَخارٌ
بِأَنَّ القَلْبَ مَفْتونٌ عَميدُ
وَ إِنَّ الرُّوحَ يَشْغَلُها التَصابي
وَدونَ المَوْتِ عِشْقاً لا يُريدُ
فَقَدْ أَفْتى جَميلٌ مِنْ قُرونٍ
بِشِعْرٍ ما لِرَوْعَتِهِ حُدودُ
إِذا قَتَلَتْ مُتَيَّمَها الغَواني
فَذا واللهِ مَبْرورٌ شَهيدُ
وَلا سَيْفٌ يُحَبُّ سِوى سُيوفٍ
بِها تَرمي النَّواظِرُ والقُدودُ
وَ قدْ تَنْبو النِّصالُ فَلا فِعالٌ
وَتَذْبَحُنا بِرِقَّتِها الوُرودُ
وَرُبَّتَما يَصيرُ الهَمُّ رُمْحاً
بِهِ تَتَساقَطُ الشوسُ الأُسودُ
وَ أَفْدَحُ ما يُمَزِّقُ مِنْ هُمومٍ
قَريبٌ مِنْ طَبائِعِهِ الجُّحودُ
وَإِخْوانٌ إِذا إِشْتَدَّتْ عَلَيْنا
فَلا سَيْفٌ يَصولُ وَلا جُنودُ
وَيَذبَحُ جامِحاً مِنْ دونِ سَيْفٍ
حَنينٌ في جَوانِحِنا يَزيدُ
إِلى أَرْضٍ تَعَطَّرَ مِنْ دِمانا
ثَراها والدِّماءُ لَنا شُهودُ
تُحاكِمُ كُلَّ مَنْخوبٍ دَنيءٍ
عَلى الأَكْتافِ تَحْمِلُهُ الحُشودُ
تَدَرَّعَ بالشَّنارِ فَآلُ كِسرى
لَهُ عَوْنٌ وَ تَحْرِسُهُ اليَهودُ
وَقَدْ ماجَتْ أَفاعيهُمْ سِراعاً
لَها صارَتْ مِنَ التَّقْوى بُرودُ
فَتَسْحَرُ بالخُرافَةِ كُلَّ يَوْمٍ
عَمائِمُ قَدْ بَغَتْ بيضٌ وَسودُ
يَتيهُ بِسِحْرِها غِرٌّ جَهولٌ
وَ يُنْكِرُ غَيَّها فَذٌّ رَشيدُ
أَلا ياعَيْنُ سُحّي كُلَّ دَمْعٍ
بِهِ تَذْوي المَحاجِرُ والخُدودُ
عَلى وَطَنٍ تُكَبِّلُهُ الأفاعي
وَقدْ أَدْمَتْ مَعاصِمَهُ القُيودُ
وَخَلَّفَهُ العَبيدُ بِلا سِلاحٍ
وَكَمْ داست عَلى الوَطَنِ العَبيدُ
فَيا بَغدادُ هَلْ تَلِدينَ فَذّاً
بِهِ يَتَجَدَّدُ المَجْدُ التَليدُ
يُعَضِّدُ بَأْسَهُ عَضْبٌ رَهيفٌ
وَيَحْفِظُ خَطْوَهُ رَأْيٌ سَديدُ
تِشِعُّ عُيونَهُ نوراً كَريماً
فُيُشْرِقُ مِنْ وَضاحَتِهِ الوُجودُ
وَ يَضْرِبُ بالعِراقِ ثَرىً وَشَعْباً
وَتاريخاً بِهِ إنْتَصَرَ الجُدودُ
يُقَوِّضُ بالنُّفوسِ مُدَرَّعات
بِهِ يُطْوى لِرَهْبَتِهِ الحَديدُ
حُصوناً لِلْبُغاةِ بِها اسْتَقَرَّتْ
ضِباعٌ شاقَها العَيْشُ الرَّغيدُ
وَآثَرَتِ الدَّياثَةَ لا تُبالي
إِذا عِرْضٌ يُلاثُ وَلا تَذودُ
وَيا بَغْدادُ هَلْ يَجْتاحُ سَيْلٌ
لِدِجْلَةَ مَنْ تُشادُ لَهُ السُّدودُ !
فَيَغْسِلُ بالدِّماءِ شَنارَ رَهْطٍ
عَنِ السَّوْأى ذُيولٌ لا تَحيدُ
وَيَطْلَعُ مِنْ دُجونِ الوَهْنِ صُبْحٌ
عِراقيٌّ فَتَرْتَفِعُ البُنودُ
وَ يُولَدُ صادِحاً بالحَقِّ جيلٌ
بِهِ روحَ المَحَبَّةِ نَسْتَعيدُ
وَتُفْتَحُ لِلْضِياءِ كُوىً وَيَعْلو
عَلى آفاقِنا الفَجْرُ السَّعيدُ
سَلاماً أَيُّها الوَهْجُ البَعيدُ
لَقَدْ طالَ التَأَمُّلُ والسُّجودُ
وَمازالَ الدُّعاءُ بِكُلِّ قَلْبٍ
دُعاءُ الحالِمينَ مَتى نَعودُ
مَتى تَرْتاحُ مِنْ لَيْلِ المَنافي
خَوافِقُنا وَيَرْتاحُ الوَريدُ
وَ نَحْضِنُ بالقُلوبِ شَذى ثَرانا
فَذا وَ الله ِ أَقْصى ما نُريدُ