تخطَّ إلى المحتوى

زف الدماء فإنها متحرره

غير معروف

٨٨ بيت

المتفرقات

زفّ الدماء فإنها متحرِّرهْ

جدّدْ بها شِعري وجدّدْ جوهرَهْ

فجّرْ بها الآمالَ واسلُك دربَها

واملأ بها رغم المآسي المحبرةْ

وأرِقْ على جرحي الدموعَ فقد روى

شهداؤنا صحراءَ مصرَ المُقفِرةْ

أطفئ شموعَ الفجرِ فالشامُ الحبي

بة أظلمت وامدُدْ بساطَ المقبرةْ

وأمِطْ عن الطرقاتِ أشلاءَ العلا

فالسفحُ قد أخفى خيوطَ المجزرةْ

لم يبق من أملِ الخلاصِ سوى شعا

عٍ ليسَ من أفقٍ هناكَ لينشرَه

لا صوتَ يُسمعُ غيرُ نوحِ حمامِنا

والنوحُ يكتُمه هديرُ مُجنزَرةْ

زُفَّ الشهيدَ ولا تَنُحْ فدماؤه

كالنيلِ أجرى للكنانةِ كوثَرَهْ

لا لا تُغَطِّ جمالَه ودَعِ الرّضا

يسري وقل لي مَن بربّكَ بَشّرَه

والقاتلُ المأفونُ موسوم بعا

رٍ دائمٍ ربُّ الورى لن ينصرَه

الليلُ لم يستُرْ جرائمَ غدره

والصمتُ لن يغتالَ صوتَ القُبّرَة

شبّاكُه المفتوحُ يرصُدُ حلمَنا

وسلاحُهُ مستشرفٌ ما أحقره

من خلفِ حاجزِه يُصَوِّبُ غِلَّه

والطهرُ سبّحَ للإلهِ وكَبَّرَه

والصبحُ قد حَفّتْهُ أصواتُ الحما

ئمِ فارتقى بالنورِ حتى ينشره

والفجرُ تشهدُه الملائكُ بينما

إبليسُ يرقُبُ مَن غواه وغرَّره

يا أيّها الغربانُ من أبقاكمُ

في عشّنا؟ فمكانكم ما أنكرَه

ونعيبُكم قطعَ الهُتافَ فأُشعِلَتْ

أرضُ الرّباطِ بزفرةٍ مُتَفَجِّرَةْ

يا جُرحُ سَلْ في الشامِ في اليمنِ السعي

دِ وفي العراقِ ومصرَ فجرًا لم نَرَهْ

سَلْ كلَّ من حكمَ العبادَ فبادَهم

وأقامَ فيهمْ ظلمَهُ وتكبُّرَه

سَلْ عرشَهُ سَلْ كلَّ مَن سبقوه سَلْ

تاريخَهم وديارَهم والمقبرة

يا مَن حباكَ اللهُ حُكمًا سائغًا

فقتلتَ شعبَكَ وانتهكتَ تحرُّرَه

عَجِّلْ بغسلِ طريقِ خُطّتِكَ المُري

بَةِ قبلَ ما يصحو صباحُ الجمهرة

هيّا استبحْ روحَ الشهيدِ فإنّها

محبوسةٌ واصْنعْ بذلك مَفخرة

عجِّل بقطعِ لسانِه مستخفيًا

فالصوتُ عالٍ ويحَهُ ما أخطرَه

لا تَلْه عن تجفيفِ كلِّ دمائِه

واكذِبْ وقل إرهابُكم قد فجَّره

واصنع له بئرًا سحيقًا ألقِهِ

في قعرها واحلفْ بأنّكَ لم تَرَه

لا ذئبَ يأكلُهُ سواكَ فلا تدَعْ

أحدًا يشاهدُ واعتقلْ من صَوّرَه

لا تنسَ نابكَ بارزًا هيّا ابتسمْ

شاشاتُكَ الحمراءُ أخفتْ منظرَه

هيّا استبحْ كلَّ الصدورِ ونورَها

فاللهُ أحصى ما سفحتَ وأحضرَه

والظلمُ يا مبتورُ لا دربٌ له

سل عنه فرعونَ الغريقَ وقيصرَه

خَلْفَ الشهيدِ مواجعٌ لكنّها

مثلُ الرياحِ تهزُّ فينا أبحُره

لا فُلْكَ تُنجي قاتلًا من موجِنا

أين المفرُّ وربُّنا قد قدّره

جاءَ الشهيدُ مُضَرَّجًا بدمائِهِ

والحقدُ يبسطُ للأخوّةِ خِنجَرَه

لن يبسُطَ الأخُ سيفَهُ لكنَّهُ

يمضي إلى ربٍّ يَقيلُ تَعَثُّرَه

أظننتَ أنّ سلاحكَ المصنوعَ عن

دَ عدوِّنا يطوي كتابًا سطَّره

لا والذي جعل الرِّضا في عينِه

والنورَ في وجهِ الشهيدِ وعطَّره

فاللهُ خلّدَ ذكرَه أبدًا ومَن

قتلَ الورودَ بأرضِنا ما أبتره!

فبأيّ قلبٍ قد سفكْتَ دماءَه

وبأيِّ حقٍّ قد سرقتَ الجوهرة

لا تنسَ يا قابيلُ لمّا تنتهي

من قتلِ نِصْفَكَ غادرًا أن تقبُرَه

وضميرُكَ المفضوحُ مَن قد جرّه

في الوحلِ مَن يا هالكًا قد خدّره

قلِّدْ طغاةَ الأمسِ واسلُكْ نهجَهم

عُقبى اتباعِ المجرمينَ مُدمِّره

أجَمَعْتَ للشهداءِ جندَكَ؟ يا تُرى

ألأيّ بحرٍ قد هَمَمْتَ لتسبرَه

فرعونُ يفتحُ للزمانِ كتابَه

اقرأ وشاهدْ ظلمَه وتكبّرَه

قفْ قبلما تخطو على تلك السطو

رِ فدربُها متعرّجٌ ما أقصره

واسترجعِ التاريخَ وانظرْ أيَّ سط

ر تستعيدُ إذا أردتَ تذكُّرَه

إن شئتَ أنتَ وجندُكَ المخدوعُ أن

تسعى إلى هذا المصيرِ تكرِّرَه

فاعلم بأنّ دماءَ هذا الشعبِ غا

لبةٌ نفيرَكَ تستخفُّ تجبّرَه

ولسوفَ تغرقُ في خضمِّ فيوضِها

وتسوقُ خلفَكَ مَن وأدتَ تَحَرُّرَه

خُن كيف شئتَ وما استطعتَ وكيف لا؟

فبكلِّ عصرٍ مَن يخادِعُ معشرَه

والمكرُ إن ألبستَه ثوبَ التقى

فالشعبُ يوشِكُ هازئًا أن يُظهرَه

في مسرحٍ الأشلاءِ مَثّلْ واجتهدْ

في أن تواريَ عن عيوني منظرَه

وستائرُ النسيانِ تُسْدَلُ بينما

هذي المشاهدُ للخلودِ مُعَمِّرَةْ

فالنورُ مهما قد غفا جمهورُه

لن تستطيعَ بذي الدُّمى أن تسحرَه

يا أيّها القطعانُ ذا فرعونُكم

والبحرُ شُقَّ يريدُهُ أن يعبرَه

فتدبّروا قبلَ المُضيّ وراءَهُ

فالعَودُ صعبٌ والمَنونُ مُسَعَّرة

حقًّا لكلِّ مخاتلٍ أذنابُه

يُملي عليهم ما بليلٍ دبَّرَه

أخفوا الجريمةَ فالنفوسُ ودائعٌ

مهما محوتم، إنّ ربي سطّره

يا أيّها القطعانُ يخدعُكم بما

أفتاه مفتيْ فتنةٍ واستدْبَرَه

أوَتُخدعونَ بذي الذئابِ وكنتمُ

من شعبِنا المطحونِ؟ كنتم أفقرَه

أنتم وحوشٌ لو تراءيتم لنا

كالإنسِ، إنّ نيوبَكم مُستنفِرةْ

واستأجِروا كُتَّابَكم كي يكذبوا

بئسَ المُصَدِّقُ مَن يُكَذِّبُ مَخْبَرَه

خسئَ المُؤجَّرُ فهْو رهنُ بقيِّةٍ

مِن مالِهم، بئسَ الدُّمى المُستأجَرة

قلمُ المؤجَّرُ باهتٌ مهما علا

صوتًا وأخفى ما استطاعَ توتُّرَه

فالبُهتُ بادٍ بينَ فُحشِ سطورِهِ

والزّيفُ كادَ بخُبثِهِ أن يَغْمُرَه

ماذا تركتُم للضّباعِ تلوكُهُ

مِن لحمِنا ومِن الفعالِ المُنكَرَة

عُبُّوا الدماءَ فقلبُكم مُتَحَجِّرٌ

واستمرِئوها كي تُلينَ تحجُّرَه

لعناتُها سبقَتْ رصاصَكمُ النّحا

سيَّ الذي اخترقَ الضياءَ ودَثّرَه

لكنْ بُروقُ الروحِ لن يجتازَها

هذا الظلامُ وبحرُها لن يَعبُرَه

شعبُ الإباءِ عليكَ من شِعري السلا

مُ فلا تخَفْ أحلامَه المتَكَسِّره

وتأمّلوا فيما يدومُ تجهّزوا

للهِ ماذا عندنا كي نخسرَه

لا تَلْمحوا نجمَ السماءِ وبدرَها

في ليلةٍ واللهِ كانتْ مُقْمِرة

والأفقُ في هذا الصباحِ على شفا

حُرُماتِنا والنيلُ يرفُضُ مَظَهَرَه

واللونُ مطموسٌ يشكِّكُ بعضُه

في الصبحِ يسكبُ في الشوارعِ أحمَرَه

هيّا أبا الهولِ انتبهْ قد تستفي

قُ ولا تجدْ أهرامَنا مُستبشرَة

ماتت شعوبُ الأرضِ قبلَ أوانِها

مُذ ودَّعوا مِن كلِّ شعبٍ أطهرَه

يا أيّها المدفونُ في ذرَّاتِنا

عِشْ كيفَ شئتَ ودعْ ثراكَ لنقبُرَه

فإذا رأيتَ اللهَ فاسألْ: يا تُرى

مَن قاتلي؟ وعلامَ يَقْتُلُ مُنْكِرَه؟

وبأيِّ حُكْمٍ مِن كتابِكَ في دمي

أفتى الفقيهُ الألمعيُّ وأهدَرَه

وعلامَ يَحْرِقُ جُثّتي؟ لِم لمْ يوا

رِ أخاهُ هل أمروه أن لا يَسترَه؟

اذهبْ حبيبي لا تسلْ عن فَجرِنا

واسكُنْ جنانَ الخلدِ وارشُفْ كوثَرَه

واهنأ فمصرُ اللهُ يرعى أمنَها

واللهُ يُمضي ما أرادَ وقدَّرَه

واغسِلْ همومَكَ هانئًا في نيلِها

واشربْ فإنّ اللهَ فيها فجّره

واترُكْ نزيفَكَ بالترابِ اغمسْ به

قلقي فإنّ رضابَ أنسِكَ عَطَّره

خَلِّ العراقَ تشرذمَتْ أبناؤه

ودِّعْ فلسطينَ الحبيبةَ مُقْفِرَة

والشامَ واليمنَ السعيدَ وكلَّ شِب

رٍ غارقٍ في الهمِّ يشربُ أبحُرَه

كانَ الربيعُ الحرُّ يوشكُ أن يرى

فجرَ العروبةِ يستردُّ تَحَرُّرَه

فمضى الربيعُ مُخلِّفًا أغلالَهُ

بيدِ العروبةِ بئس حُلْمًا كَدّره

ذهبَ الشهيدُ بجسمِهِ لكنّهُ

يبقى يُصَحِّحُ للزمانِ تَصَوُّرَه