أَنَا ابْنُ اللَّيَالِي، مَا هَزَمْتُ عَزِيمَتِي
وَلَا خِفْتُ دَرْبًا فِي ظَلَامٍ مُظْلِمِ
وَرَاحِلُ أَيَّامٍ عَلَى جُوعِ هِمَّتِي
يُصَارِعُ عَصْفَ الْفَقْرِ وَالنَّأْيَ وَالْهِمَمُ
تَشُقُّ خُطَايَ التِّيهَ رَغْمَ قُيُودِهَا
وَتَغْرِسُ صَبْرِي فِي مَهَاوِي الْأَلَمِ
إِذَا مَا انْحَنَى ظَهْرِي فَإِنِّي شَامِخٌ
بِرُوحٍ كَأَنَّ الْعَزْمَ فِيهَا مُعَلَّمِ
لَئِنْ جَارَ دَهْرِي، فَالْكِرَامُ طَبَائِعٌ
عَلَى الْهَمِّ تَبْقَى كَالنُّجُومِ تَبَرْعُمِ
نَذَرْتُ لِنَفْسِي أَنْ أَظَلَّ بِالْمَدَى
أُعَانِقُ دَرْبِي ثَابِتَاً صَابِرًا مُتَقَدِّمِ
كَأَنِّي جِدَارٌ لَا يَزُولُ بِثَلْمَةٍ
وَلَا يَهْدِمُ الْأَنْوَاءَ صَوْتُ التَّهَزُّمِ
وَمَا خَانَنِي قَلْبِي، وَلَا خَدَعَ الْهَوَى
خُطَايَ، وَلَا أَوْهَى الْجِرَاحَ تَرَنُّمِ
أُجَرِّدُ آمَالِي وَأَلْبَسُهَا الرَّدَى
وَأَصْنَعُ مِنْهَا لِلطُّلُوعِ التَّقَدُّمِ
تَغَنَّتْ دُمُوعِي فِي خَفَائِي شُمُوخَهَا
كَأَنِّي بِهَا سَيْفُ الْكِفَاحِ الْمُتَرْجَمِ
فَلَا الْبَحْرُ أَغْوَانِي، وَلَا الْمَوْجُ أَرْعَبَتْ
خُطَايَ، وَلَا الْيَأْسُ اسْتَطَاعَ التَّسَلُّمِ
لِأَحْمِلَ وَجْهِي فِي الْمَدَى مُتَفَائِلًا
وَأَحْمِلَ دَمْعِي فِي ابْتِسَامٍ مُتَّهَمِ
تَعِبْتُ وَلَكِنَّ التَّعَبَ زَادَ وَقَارَنَا
وَأَزْهَى بِوَجْهِ الْعِزِّ مَنْ لَا تُذَمَّمِ
أَلَا يَا فُؤَادِي، كُنْ عَزِيزًا، فَإِنَّنِي
رَأَيْتُ الْمُنَى فِي نُبْلِ جُرْحٍ مُتَيَّمِ
لَنَا فِي كُفُوفِ اللَّيْلِ حُلْمٌ مُسَافِرٌ
يُرَاوِدُ فَجْرًا لَمْ يَزَلْ فِي التَّكَتُّمِ
سَنَكْتُبُ مَا نَشْتَهِي مِنْ وَجَعٍ
وَنَرْسُمُ مِنْ آهَاتِنَا أَلْفَ مَعْلَمِ
فَلَا تَسْأَلُوا عَنِّي إِذَا مَا رَأَيْتُمُ
بَقَايَا رُؤًى فَوْقَ الْجِرَاحِ تُنَمْنِمِ
أَنَا صَابِرٌ وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ عِنْدَنَا
مِنَ الْعَيْشِ لِذُلِّ السُّكُوتِ الْمُجَرَّمِ
وَإِنْ عَادَ صُبْحُ الْمَجْدِ كُنْتُ مُهَيَّأً
لِأَنْ أُشْعِلَ الْأَيَّامَ بالُّهُبِ نَارًا وَأُلْهِمِ
فَلِلَّهِ دَرُّ الصَّابِرِينَ إِذَا بَكَوْا
وَكَانَ بُكَاؤُهُمْ كَالسَّحَابِ بالْأُكُمِ
تَحَمَّلْتُ جَوْرَ الْوَقْتِ وَالْعُمْرُ مُنْتَهٍ
وَلَا زِلْتُ أَنْظُرُ لِلْمُنَى دُونَ تُهَمِ
سَأَكْتُبُ مِنْ وَجَعِي بَقَاءً كَأَنَّهُ
حَيَاةٌ لِأَحْلَامِي، وَدِرْعٌ مِنَ الْعَدَمِ
فَإِنْ عَادَ صُبْحٌ فِي مَلَامِحِ وَجْهِهِ
سَأَزْرَعُ فِيهِ الْوَرْدَ فِي قِمَمِ الْحُلُمِ
وَإِنْ مِتُّ، فَاذْكُرْنِي بِصِدْقٍ، فَإِنَّنِي
وَهَبْتُكَ وَجْدِي دُونَ شَرْطٍ أَوْ نَدَمِ
أَنَا الْحَالِمُ الْمَصْلُوبُ فَوْقَ قَصِيدَتِي
أُقَاوِمُ بِالْعَزْمِ اشْتِعَالَاتِ الْأَلَمِ
جَرَى الدَّهْرُ ضِدِّي، فَانْثَنَيْتُ مُهَاجِرًا
كَطَيْرٍ جَرِيحٍ مَا اسْتَطَابَ التَّرَمُّمِ
تَشَظَّى رَجَائِي بَيْنَ صَمْتِ مَسَافَةٍ
تُقَيِّدُ نَبْضِي بِالْحَرِيقِ وَبِالسُّقَمِ
أُطَارِدُ ظِلِّي فِي اللَّيَالِي كَأَنَّنِي
أُصَادِفُ فِيهِ الْجُرْحَ فِي هَيْئَةِ الْقَلَمِ
وَأَكْتُمُ صَوْتِي حِينَ يُغْرِقُنِي الْأَسَى
فَلَا الصَّمْتُ يُنْقِذُنِي، وَ الصَّبْرُ يَلْتَحِمِ
كَأَنَّ الدُّجَى سَيْفٌ عَلَى عُنُقِي بَدَا
يُمَزِّقُ أَحْلَامِي، وَيَكْسِرُ مِنْ عَزَمِ
أُرَاوِدُ نَفْسِي عَنْ بَقَايَا طُمَأْنَةٍ
فَتَرْتَدُّ مِثْلَ الرِّيحِ، تَرْفُضُ أَنْ تُلِمِّ
وَأُشْعِلُ فِي قَلْبِي اشْتِيَاقِي لِفَرْحَةٍ
فَأَحْرِقُ مِنْهَا مَا تَبَقَّى مِنَ النِّعَمِ
إِذَا مَا تَنَادَتْ مُهْجَتِي فِي ظِلَالِهَا
رَأَتْ خَلْفَهَا قَيْدًا، وَأَمَامَهَا نَدَمِ
أُخَبِّئُ آمَالِي، و كَأَنِّي حِلْمٌ عَابِرٌ
يُفَتِّشُ فِي أَطْلَالِهِ عَنْ مُسْتَتَمِ
تَسَاوَتْ لَيَالِي الْبُؤْسِ عِنْدِيَ كُلُّهَا
فَمَا عَادَ يُغْنِينِي الْأَسَى أَوْ يَنْتَمِ
أُقَاسِي مَعَ الْفَجْرِ اغْتِرَابِي كَأَنَّنِي
وَحِيدٌ عَلَى صَهَوَاتِ رِيحٍ مِنَ الْهَّمِ
وَحَوْلِي جُيُوشُ الْهَمِّ تَمْضِي بِأَسْئِلٍ
يُغَذِّي خُطَاهَا الْيَأْسُ مِنْ غَيْرِ مُلْهِمِ
أَنَا ذَلِكَ الطِّفْلُ الَّذِي كَتَمَ الْمُنَى
وَسَارَ عَلَى الْأَشْوَاكِ يَخْشَى السُّقُمِ
وَإِنِّي وَإِنْ طَالَ الضَّيَاعُ بِمُهْجَتِي
أَظَلُّ أُغَنِّي فِي الرَّجَاءِ مَعَ النَّغَمِ