فُجعَتْ بفَقْدك جلَّةُ الفقهاءِ
وأئمةُ الشعراء والأدباءِ
وغدت تصوغ لك الرثاء تألُّمًا
بدم العيون وحُرقة الأحشاء
وأنا الذي من بعد فَقْدك أصبحت
شتى المصائب فيَّ والأرزاء
تنزو على طَرْفي الكليمِ وتارةً
تنزو لواعجُها على سودائي
آهًا أبي لو كنتَ تنظرُ عَبْرتي
أو كنت تسمع أنَّتي وبكائي
لعلمت أني في نَواك معذَّبٌ
ما دمتُ فوق مناكبِ الغبراء
سل يا أبي رضوانَ عن أنبائنا
إن كنتَ توّاقًا إلى الأبناء
يُنبيكَ أنّا في أسًى وكآبةٍ
وتفجُّعٍ وتوجُّعٍ وبلاء
بانَ الصفاء وكُدِّرَ الوِرْدُ الذي
كنا نعبُّ به نميرَ الماء
لما ظعنتَ عن الحمى وتحجَّبتْ
عنا أشعَّةُ وجهِك الوضّاء
يا قلبُُ ذُبْ كمدًا وشوقًا للذي
ربّاك بين مسارح النعماء
واخفقْ بجانب مُدنَفٍ علِقَ الأسى
بحشاه فهو أخو جوًى وبلاء
لا تحتفِلْ بالعاذلين فقلَّما
يخلو الفتى من عاذلٍ مِشْناء
خلِّ الحياةَ وشأنَها بين الورى
واجنحْ لمعتزلٍ عن الأحياء
واطرحْ هناك بقيَّة الروح التي
لم يُبقِ منها الحزنُ غيرَ ذِماء
واسمحْ بها صفّاقةً مجهودةً
من هوْل ما عانَتْ من البأساء
يا موتُ ما أحلاك بعد فراقِه
وألذَّ مشيَكَ في عُرى أعضائي
واستلَّها نفْسًا أبَتْ إلا الرَّدَى
من بعد معقلِها المنيعِ النائي
فلعلَّها تحظى بروح فقيدها
في عالم الأرواحِ بعد ثناء
فتُبدِّدَ الكربَ الذي ناءت به
وتكون في أمنٍ من البلواء
واهًا على ذاك النعيم وحسرةً
لمحافل الأفراح والسَّرّاء
أيام كنتُ بظلِّ عيشٍ ضاحكٍ
عذبِ الرؤى متبسِّمِ الأهواء
أشتمُّ عَرْفَ المجد من أنواره
وأنال ما أبغي من الآلاء
أسمو إلى حيث المنى بَسّامةً
ترنو إليَّ بمقلةٍ كحْلاء
لا أرعَوي للعاصفات وبأْسِها
وتقلُّب الأجواء والأنواء
حتى طغَتْ ريح المنونِ فحطَّمتْ
ما كان من آماليَ الغرّاء
فسقطتُ منهوكَ الفؤاد كأنني
مُتخطَّفٌ من حالق الأجواء
سكرانُ من هوْلِ المصاب وعِظْمه
لا أستفيق كشارب الصهباء
من لي إذًا من بعد فقْدك والدي
عونًا على البلواء والضرّاء
إن جاشتِ الآلام بين جوانحي
وتمطَّتِ البُرَحاء في أحنائي