يا عائبًا بقصيدتي ما زانَها
هلاّ اتّخذتَ لعَسْجَدٍ ميزانا!
إن خانكَ البحرُ الخِضَمُّ بشطِّها
فالدُّرّ في أعماقها ما خانا
هلْ جئتَ تفتحُ في سَماها ثَغْرَةً
فَرجَعْتَ عنْ أبوابها حَيرانا؟
أم جئتَ تنْهَلُ مِنْ رِوَاها خُلْسَةً
فَغدَوتَ دونَ فُراتِها ظَمآنا؟!
أمْ قدْ أغاظَكَ في رحاب جِنانِها
أني ملأتُ عيونَها نيرانا؟
أم أزعجتْكَ بطولها وبعرضِها
أو أعجزتْكَ فأعلنتْ عصيانا؟!
هيَ ذي حروفي كيف شئتُ أصوغُها
بِقصيدةٍ قدْ أُحْكِمَتْ بُنْيانا
فإذا اختصرْتُ كفَى بها عنوانُها
وإذا أطَلْتُ جع
لتُها ديوانا
ما لي أرى نظرًا ضَعيفًا يعتريكَ
وطُولَ باعِكَ عِلّةً أحيانا؟!
إنْ لمْ تَمِزْ حرفَ الضلالِ مِنَ الهدى..
فبأيِّ عَينٍ تَقرأ الإيمانا!؟
أمُعلّمٌ.. مَنْ كادَ يرسُمُ حَرفَهُ
ومُلوِّنٌ.. مَنْ لم يَعِ الألوانا؟!
لَوْ فاقِدٌ للشَّيْءِ يُعْطِي بَعضَهُ
لَكفَى بما أعطَيْتَهُ فِقْدانا
ما لي أرى مِنْ عينِكَ انْبَجَسَ العمى
وتَقودُ في بحرِ الدُّجى العُميانَا؟!
فَهلِ القصيدُ.. بطولهِ وبِعرضهِ
أو ما حوى في نَظْمِه أوزانا؟!
ما الشّعرُ إلا ما دَهَى من سِحْره
لُسْنَ الورى حتّى غدَوا خُرْسانا
أوْ ما طَرِبْتَ لِحرفِهِ مسْتَرْسِلاً
فيَهُبُّ قلبُكَ صاحيًا سكرانا
هُوَ ما يرى فيهِ الخبيرُ ملائكًا
ويرى بهِ حُسّادُهُ شيطانا
يا قائلاً عند الرضا ما لمْ يُقَلْ..
أحسَنْتَ في ما قلْتَهُ غضبانا
أكّدْتَ أنّكَ في الحقيقةِ كاذبٌ
وكفى بِما قدْ قلتَهُ بُرهانا
إن كنْتَ تَملِكُ أحْرفًا منِ أبْجَدٍ
فالحرفُ في شِعْري غدا إنسانا
فإذا ابتَغَيتُ العونَ منه أعانني
أو قلتُ: كنْ ليَ من جنوديَ، كانا
لا تَحْسَبَنَّ الحرفَ يُهْزَمُ في يَدي
قدْ أنزلَ المولى بِه سُلطانا
لولا الحرامُ وأن تفوعَ نتانةً
لقطعتُ منكَ تَنَفُّساً ولسانا
لكنّني أنْأى بنفسي رفعة
عمّا يلوّثُ أحرفي إنتانا
فعلامَ أدفِنُ في قصيديَ جثَّةً؟!
أخشى عليهِ النَّتْنَ والأدرانا
أخشى تُعيدُكَ للحياةِ قصيدتي
أو أن يُقالَ فلانَةً وفلانا
وعلمْتُ أنّكَ ليسَ يذكرُكَ امرؤٌ
أجدى بمثلِكَ يُوْدَعُ النِّسيانَا
أجدى بمن هو أجربٌ إبعادُهُ
تأبى الصِّحاحُ تُجاورُ الجربانا
إنْ شئْتَ تعرفُ مَنْ أنا.. جرّبْتَني
وعرفتَ أنّ بِأحرفي فرسانا
وعرفْتَ أنَّ لسانَ حالِكَ مُخطِئٌ
والبعضُ يعرفُ بعضَهُ أحيانا
ومَن ابتغى من بعدِ ذلك مأربًا
قدْ مات همًّا أو قضى خُسْرانا
يا مَنْ إذا حاكى قصيديَ واهِمًا
أنَّ الحُباحِبَ قدْ يكونُ أخانا
ما كلُّ مَنْ حاكى الكواكبَ كَانَها
ومتى الحُباحِبُ كَالكواكبِ بانا؟!
إنْ رُمْتَ تسلُبُ بالمَرايا نورَها
فالنجمُ أبعدُ بلْ وأعظمُ شانا
فهُنا المرايا.. بَلْ هنالكَ مَوقعي
لا تُدرِكُ المرآةُ مِنه مَكانا
شتّانَ ما بينَ النجومِ وبينَ ما
تُبْدي لَنا مرآتُها شتّانا
هلْ كانَ مَنْ كتَبَ العُلى بِدِمائِهِ
كَمَنِ استراحَ بِظلِّها مَجّانا؟!
لا تَنْسِبَنَّ إليكَ بيتًا واحدًا
فالشعرُ يَبْقى أمَّنا وَأبانا
فَاسْحبْ يَراعَكَ وانْسحِبْ منْ أسطُري
وارْحلْ فقدْ أخطأتَ بِيْ العنوانا
واحملْ رعاياكَ الّتي لا تَرْعَوي
ضاقتْ رحابُ الكَوْنِ عن لُقيانا
وإذا قصدْتَ ذُرَا قصيديَ ثانيًا
ورجعْتَ تَنزِعُ للعلى نَدْمانا
فافتحْ عيونَكَ جيّدًا في أعيُني
وَارْفعْ يديكَ.. فأنتَ في لبنانا