خَلَتِ الديارُ وبانَ عنها الأقْرَبُ
دمعي لفرقةِ أهلِها يَتَصَبَّبُ
ما لي أُسائلُ في رسومِ الدارِ عن
مَنْ قد نأى وليسَ ثَمَّ مُجَاوِبُ
أمستْ مغاني الدارِ بعدَ أنيسِها
قفراً وريحُ الشوقِ فيها تَضْرُبُ
وقفتْ بيَ الأفكارُ بينَ معالمٍ
للبينِ فيها غربةٌ وَتَغَرُّبُ
في كلِّ زاويةٍ لهم أثرٌ بقى
يحيي الجراحَ وللمدامعِ يَجْلِبُ
أصبو إليكم والفؤادُ مُعَذَّبٌ
بينَ الحنينِ والأسى يَتَقَلَّبُ
قد أُثْقِلَ القلبُ اشتياقاً وجوىً
والحِملُ فوقَ الاقتدارِ مُتْعِبُ
عقلي يقولُ اصبرْ وقلبي قد عصى
فالعقلُ عاجزُ والمشاعرُ تَغْلِبُ
تَصْلَى الحشا نارٌ كأنَّ وقودَها
جَذْلُ الغضا في خافقي يَتَلَهَّبُ
كَلِفٌ بحبِّ الراحلينَ كأنني
نَضْوٌ براهُ السيرُ وَهْوَ مُعَذَّبُ
ما حيلةُ المشتاقِ إنْ غلبَ الهوى
واستحكمَ البينُ الطويلُ الْمُتْعِبُ؟
ما كنتُ أحسبُ قبلَ بينِكُمُ النوى
يقضي على مُهَجِ الرجالِ وَيَسْلُبُ
أَلِفَ الدجى بعدَ الفراقِ تأوُّهي
والدمعُ مني كلَّ ليلٍ يُسْكَبُ
كلُّ الليالي بعدَكم ممدودةٌ
والصبحُ مكفوفُ الضياءِ مُحَجَّبُ
بتنا وباتَ الوجدُ يشعلُ جمرَهُ
والذكرياتُ مناهلٌ لا تَنْضُبُ
فالذكرياتُ الموجعاتُ تزورني
قلْ لي بربِّكَ أينَ منها الْمَهْرَبُ؟
سهري تمادى والسهادُ يهدُّني
والليلُ جيشٌ والهمومُ كَتَائِبُ
يمضي خيالُ الراحلينَ بغفوتي
أصحو بنارٍ في الضلوعِ تُعَذِّبُ
يا ليتَ شِعْرِي هل يعودُ زمانُنا؟
والودُّ صافٍ والليالي تُقَرِّبُ
أمسٌ تزينَ بالوصالِ غضونُهُ
واليومَ قد بانَ الحبيبُ الأقْرَبُ
يا راحلينَ وفي الحنايا دارُكم
هل للغليلِ من لقاكم مَشْرَبُ؟
عظمتْ خطوبُ الدهرِ بعدَ فراقِكم
والموتُ مني كلَّ يومٍ يَقْرُبُ
لو كانَ ينفعُ ذا الصبابةِ نوحُهُ
لتركتُ دمعي بالدماءِ يُخَضَّبُ
لسقيتُ أرضَكم بدمعي والدما
حتى يعيدَ لِيَ البكا ما أطْلُبُ
أشكو إلى الرحمنِ بيناً شطَّ بي
عمن أحبُّ ومن أرومُ وَأَرْغَبُ
دهرٌ تولى واستحالَ إيابُهُ
يُقْصِي الفتى عمَّنْ يحبُّ وَيَطْلُبُ
هيهاتَ يُثْنَى للزمانِ أعنَّةٌ
طبعُ الزمانِ تغيرٌ وَتَقَلُّبُ
ما كلُّ نفسٍ نالتِ السُّؤْلَ الذي
ترجو ولا كلُّ الأماني تُوهَبُ
صفوُ الحياةِ لا يرامُ دوامُهُ
فالشمسُ إنْ طالَ الضياءُ سَتَغْرُبُ
صبرٌ جميلٌ يا فؤادي إنما
حكمُ الإلهِ في الأنامِ مُغَلَّبُ
رباهُ حكمُكَ والقضاءُ مقدرٌ
وإليك يا مولى البريةِ نَرْغَبُ
ثُمَّ الصلاةُ على النبيِّ وآلِهِ
ما لاحَ فجرٌ أو أضاءَ كَوْكَبُ