قضى يخنقُ الكتمانُ في صدره السِّرّا
بريءٌ جنى وغدٌ وحمَّلَه الوِزْرا
وحيَّرتِ الدنيا جسامةُ ذنبِه
وما هو بالجاني ولا عرف النُّكرا
تسرَّعتِ الحكّام في شجْب كاهنٍ
فما استأنفَ الدعوى ولا ميَّزَ الأمرا
وكان أَطيرُ الغَيرِ علّةَ شجْبِه؟
فأفحمَه رعبًا وأسكته ذُعرا
فلا هو سفّاحٌ ولا الحال ناطقٌ
يبيِّنُ بعد القتل أظفارَه حَمرا
ولا شهدَ الجرمَ الفظيعَ محدِّثٌ
يخبِّر بين الناس من فعل الشَّرّا
تحمَّلَ جورَ الحكم حيرانَ مُطرقًا
ولم يقلِ القاضي لعلَّ له عذرا
وقال قِصاصُ الخلقُ أهونُ وَقْعُه
على المرء من سخط المهيمنِ في الأخرى
روَتْ صحفُ الأخبار قصَّةَ كاهنٍ
وسارت به الركبانُ تستوقف الفِكْرا
وهاك تفاصيلَ الروايةِ صرَّحَ الْ
بشيرُ بها نثرًا فأوردتُها شعرا
لتطلعَ في التاريخ أجملَ صفحةٍ
ويطفحَ وجهُ الدين من ذِكْرها بِشْرا
وتصفعَ خدَّ الكفر إن قام ناقدًا
وتكسرَ سهمَ الخصم في نحْره كسرا
هناك بأرض الروسِ أُوقف كاهنٌ
بتهمةِ قتلٍ ذاق من جَوْرِها المرّا
وكان قتيلٌ من يد بربريّةٍ
رماه رصاصُ الخصم فاخترق الصدرا
فأسرع أستاذٌ هنالك ناسبًا
إلى الكاهن البَرِّ الجريرةَ والكُفْرا
وجاء إلى مستنطقٍ قائلاً له
هلمَّ الى التفتيش واكتشِفِ الغدرا
فنقَّبَ هذا في الكنيسة دائرًا
وجالَ سريعًا في بناياتها طُرّا
وفي غرفة الخوري رأى بندقيّةً
لإثبات هذا الجرم باقيةً حرَّى
فقال رأينا الشاةَ والذئبُ قربَها
مضرَّجةً فالذئبُ باقرُها بَقرا
كفى بلسان الحال أصدقُ شاهدٍ
فلا تُتهموا زيدًا ولا تظلموا عَمْرا
نما خبر الخوري إلى الأسقُفِ الذي
رماه بسهم الحَرْمِ عن عرشه جهرا
تجمَّعتِ اللَّعنات تصخبُ فوقه
من الشعب وانهالَتْ على رأسه تترى
وحاكمُه القانونُ والناسُ واحدٌ
بإبعاده راضٍ وتعذيبِه مُغرى
فكان جزاءُ القتل شُغلَ مشقَّةٍ
وخيبةَ آمالٍ بها يقطع العمرا
حرامٌ قُضاةَ الأرض رفقًا بصامتٍ
براءته في عُرْض جبهتِه تُقرا
براءةُ ذاك الذئب من دم يوسفٍ
يقول لكم رفقًا وربُّكم أدرى
مضى زمنٌ والناس تلهج بالذي
جرى وحديثُ المَيْنِ بينهمُ يُشرى
إلى أن تناسى حادثَ الأمس كلُّهم
ومدَّتْ يد الأيام من فوقه سِترا
وللكاهن المسكين في الصدر أنَّةٌ
يصعِّدُها سهمًا ويُرجعُها جمرا
تنوء به الأقيادُ والحكم جائرٌ
ويشتاق أن لو كان في نفيه حُرّا
له حارسٌ صُلب الفؤاد ملازمٌ
ليستاقَه عسْفًا ويقتادَه قسرا
ويُرجعه والسوطُ يلهبُ ظهرَه
إلى عهد إسرائيلَ إذ كان في مِصرا
رأى كلَّ أثقال الحياة خفيفةً
ولا تُبهظُ الأثقالُ مَنْ حمل الصبرا