الأرضُ مخضرّةٌ من ماطر السحبِ
حتى تبدّت لنا مملوءةَ العشبِ
والبرقُ يلمع والأنهار جاريةٌ
والطَلُّ كالدرّ أو كاللؤلؤ الرطب
والريح تعصف والأشجار ترقص من
حسنِ السرور أو الأفراح والطرب
والشمس تطلع ما بين السحاب وما
تغيب حتى ترى ندبًا على ندب
والوُرْقُ تصدح والشحرور منعكفٌ
على الغصون يغني صوتَ محتجب
كذا البلابلُ إذ غنّت بنغمتها
مالت لها جملةُ الأطيار من عجب
أما الشقيقُ فتحكي الخدَّ جمرتُه
والورد يحكي لعمري حليةَ الذهب
والياسمين لقد راق البياض به
والنوفر الرطب بين الماء والقُضُب
والنرجس الغضّ تحكي العينَ مقلته
يميس تِيهًا ولكنْ غير منقلب
والآسُ في وجنة النعمان منعقدٌ
يزهو كأن به نارًا من اللهب
والأقحوان كذا النسرين قد زهيا
والماء في ورق الأغصان كالحَبب
حتى البنفسج لما بالعذار بدا
تشبيهه قال ذا أُنْسي وذا أربي
فبينما أنا في ذاك الربيع على
روضٍ من الأنس في أزهاره خَصِب
والراقصون غداةَ الحال قد عزموا
للرقص ملؤهُمُ في كل منتدب
وعند مجلسنا شادٍ وشاديةٌ
يُحيِّران ذوي الألباب والأدب
وقد بدت نغمة الأوتار حينئذٍ
بالزّير والبمّ تعلو ضربةَ الشُّعَب
وشادنٌ لم يزل كالغصن منتصبًا
كِفْلٌ له قد حكى طودين من كثب
كأنه قمرٌ يزهو بطلعتهِ
وحول خدّيه خالٌ ضاء كالشهب
فقال يا سيدي إشربْ معتّقةً
قد آض معصارها من ثغريَ الشنب
يأتي السرور بها في كل آونة
فقلت دونك أقدِمْ لي بها وَهَب
فأعطنيها حميّا كاد شاربها
من حادثات صروف الدهر لم يَهِب
وقد سقاني نديمي خمرةً صرفتْ
عن فكرتي مكمنَ الأكدار والكُرَب
لله من خمرةٍ كالشمس مشرقةً
بِكْرٍ لقد زُوِّجتْ في مائها العَذِب
لطيفةِ المزج ما أحلى ملاحَتَها
والمال قد جال فيها غير منسكب
شعاعها مزّق الظلماءَ إذ جُلِيتْ
في كأسها وانجلتْ من بارز الحجب
لو ذاقها كلُّ من قد كان مضطربًا
خوفَ الزمان لأضحى غيرَ مضطرب
تبري السقيمَ إذا ما ذاقها وغدا
في طيبها ثملاً لم يلقَ من نصب
ما كان أحسنَها قِدْمًا وأعذبها
شَمّاً وأطيبها طعمًا من العنب
يا حبذا من سويعاتٍ بها عَذُبتْ
روحي ويا حبذا للهو منتصبي
فالعيشُ طاب ووقتي قد صفا وزها
والعزّ يلحظني والسعد يصعد بي
حتى انتهيت سماءَ الأنس مرتقيًا
وبتُّ إذ ذاك في لهوٍ وفي لعب
فلا أرى وصمةَ الأتراح في هممي
ولا أرى ساعةً أمّتْ على غضبي
أتانيَ العزّ في خيرٍ وتهنيةٍ
وضاء بدرُ سعودي غير منحجب
في عرس أحمدَ كسَّابِ المحامد مَنْ
آدابُه قد أفاقت كلَّ ذي أدب