بين الرّياض رياضِ البُنّ والبانِ
وفي جنانٍ جنانٍ ذاتِ أفنانِ
وفي رحابٍ تَناهى حسنُها وغدتْ
كَحُلّةٍ نَمنمَتْها كفُّ فنّان
وتحت قطر النّدى من كلّ حانيةٍ
وفوق زهرِ الرّبى من كلّ بستان
والماءُ ينساب في السّاحاتِ منسكبًا
أنغامَ قيثارةٍ في همسِ ألحان
والدوحُ يخطر في الأرجاء منتشيًا
تَشابك الأيكُ أغصانًا بأغصان
والطيرُ يصدح بالتغريد مبتهجًا
كأنّ أنغامه تطريبُ عِيدان
ذاك البِساطُ الموشّى ريحُهُ عَبِقٌ
بناجمِ الزّهر من شيحٍ وريحان
تلك الرّبوع سَقَتها كلّ ساريةٍ
بوابلٍ من صبيبِ المزن هَتَّان
شُغفتُ بالمنظر الخلاّب في وطني
ولستُ أرضى بلادًا غير أوطاني
في غدوةٍ من ربيع العمر مفعمةٍ
بالحبّ للحِبّ من أهل وجيران
بَيْنا أنا في حقول الزّرع يلحظني
مَنْ في زمان الصّبا قد كان فتّاني
هيفاءُ طلعتُها كالشّمس بازغةٌ
ووجهُها وضياءُ الصّبح سِيّان
غيداءُ فاترةُ الجَفنين ناعِمةٌ
نقيّة البُرد أَهْواها وتهواني
عَنّتْ على القُرب تُهديني تحيَّتها
في غفلة عن عيون الظالم الجاني
بدرُ الدّجى يتثنّى في تأنّقه
يمشي الهُوينى مُحاذاتي وحيّاني
حَيّتْ وفي خجلٍ بثّت لواعجَها
قالت أتعرفُ عن بؤسي وحرماني؟
تركتني تهتُ في بيداءَ موحشةٍ
أخلو بفكري وآلامي وأحزاني
وطارحتْني أحاديثَ الهوى وحكتْ
أيَّامنا الغُرَّ إذ نحنُ صبيّان
أيامَ كانت لنا الأحلامُ مُنطلَقًا
كلٌّ يفكّر فيما يُسعد الثّاني
أيامَ كانت ليالي العيد مجتمعًا
في محفلٍ بين أحبابٍ وأخدان
أيامَ كانت مراعي الحَقْو منتجعًا
نقضي ليالي الصِّبا في دفئه الحاني