نأت هِنْدُ فاعتاد الفؤادَ بلابلُ
دهته وهمٌّ لا يكاد يزايلُ
نأت فاعترتني من نواها وساوسٌ
وسُدَّتْ عليَّ الآنَ منها الوسائل
نأت فتلظّى جمرُ نار فراقها
وذابت له العينان والدمعُ سائل
فأصبحت مشغوفَ الفؤاد بذكرها
وما ليَ عن ذكر الحبيبة شاغل
يكلّمني فيما يريد مكلّمي
فلم أدرِ ما يعني وما هو قائل
وما خلتني أصحو من الشَّجْو والهوى
ولو صدّقتْني في هواه العواذل
وما مثل هند اليوسُفيَّةِ خِلّةٌ
عَروبٌ تباهيها الظباءُ الخواذل
سوى أن لذّاتِ الحياة ستنقضي
ولو طالتِ الأيّام والنحسُ غافل
وموعدنا يومَ القيامة واقعٌ
وكلٌّ غدًا يُجزى بما هو فاعل
وقطب رحى الدنيا جميعًا وأختها
محمّدٌ الماحي له الفضل كامل
وإيمانُ ذي الإيمان سرُّ يمينه
وليس لسرِّ اليُمن والخير عاضل
شفاعتُهُ أمُّ الفضائل كلها
ولا فضلَ عن أم الفضائل فاضل
شمائله فاقت شمائل غيره
وقد أُيِّدتْ بالوحي منه الشمائل
وأخلاقه في الفضل لا خُلْقَ مثلها
جمالٌ وإقدامٌ وعلمٌ ونائل
يحاشي كلام السوء في كل موطنٍ
ومجلسه لم تُؤتَ فيه الرذائل
وإقدامُه ما رِيء قَطُّ نظيرُهُ
ولو أن أهل الأرض كُلاً جحافل
ويصفح عن سوء الورى وهو قادرٌ
وكم واجهته بالقبيح الأراذل
ونائله للمعتفين مُهيَّأٌ
وسيّان إتيان الورى والرسائل
يُيَمِّمه العافون من كل بلدةٍ
وتنتابه في النائبات الأرامل
محيّاهُ بدرُ التِّمِّ والقَدُّ ربعةٌ
وعيناه زهراوان والرأس حائل
رأت أمه في الحمل خِفَّةَ حمله
وتجهد من حمل الجنين الحوامل
ودلَّ ارتفاع الرأس في الوضع أنه
به خيرُ من أفضت إليه القوابل
ولمّا أتاه الوحي جلّت أموره
وغابت عن العينين والصدق حاصل
بدت معجزاتٌ لا تكون لكاهنٍ
ولا ساحرٍ فالحقُّ للإفك قاتل
فمنهنَّ جَعْلُ الترب في أرؤس العدا
ولم يُبصروا والنصرُ للمكر خاذل
ومنها كلامُ الضبِّ إذ قال شاهدًا
لأنت رسول الله فيك الفضائل
ومنها كلام الذئب إذ قال شاكيًا
حُرمنا ودون الشاء قد حال حائل
ومنها مقال الظبي إذ قال مثله
فسرّحَه إذ أوثقتْه الحبائل