يَا شَامُ كنتِ العَينَ كنتُ المُبصَرَا
أوَ كيفَ أصبحْنَا هَباءً ثُوِّرَا
عادٌ تعُودُ وَ نَحنُ شَهوةُ حُلمِهَا
يَا زُرقَةً هلْ أخبرَتْنَا مَا جَرَى
حَيرَانُ..أشتَمُّ السَّمومَ منَ الثَّرى
والخِصبُ غَادَرهُ السَّحابُ فأقْفَرا
أَطويْ القَصائِدَ دامِياتٍ نازِعًا
وَهمًا تمَادَى مُستَبدًّا سُعِّرَا
والشِّعرُ للمُرتَابِ رِحلةُ واثقٍ
فيهَا السَّرابُ عَلى اليَبابِ تنَمَّرا
أسكنتُ زرقَاءَ العُيونِ خَواطرِيْ
أبدًا أُحاولُ في الدُّجَى أنْ أُبصِرَا
بِالأُفقِ أثقَلَتِ الضَّبابَ دمَاؤُنَا
مَنْ لِي بعينِكِ يا يمامَةُ كَيْ أرَى
وأنَا المُقَيَّدُ فوقَ قمَّةِ أدمُعيْ
بالرِّيحِ شَتَّتَنيْ الضّياعُ وَ بَعْثَرَا
شِعرِي وَ رُوحِي مثلُ جَانِحِ حائِرٍ
يتَقَاسمَانِ الكَونَ رِيحًا أصفَرَا
وعلى هشيمِ الوَهْمِ نَحمِلُ حُلْمَنَا
ونسفُّ وجهَ الحقِّ أبلجَ أزهَرَا
أنَا يا بلادَ النُّورِ، غادرَني دميْ،
أَمْسِيْ على شَفَقِ الزَّمانِ تدَمَّرَا
ما ظلَّ بيْ شوقٌ لأسمعَ شاعِرًا
صبًّا على سَعَفِ الصَّباحِ تقطَّرا
غَزَتِ البلادَ الجائحَاتُ فلمْ نجدْ
إلّا الدَّمَ المَسفوحَ نَهرًا أحمرَا
يَا ألفَ ليلَتِنَا مَصائِبُنَا هوًى
يَا شهرزادُ ألَمْ يَنَمْ بعدُ الوَرَى
خَانَتْ سيوفُ اللَّيلِ أَحلامَ الكَرى
قسراً..وَ بُركانٌ علينَا فُجِّرا
وغدَا أُناسيْ الطيبونَ وَقُودَهَا
كانُوا سواسيةً وَ كانُوا حُضَّرَا
قَصَصٌ ستُحكَى بعدَ ألفِ مصيبةٍ
سَيُكَذِّبُ التَاريخُ منْ قد زَوَّرَا
لمْ يبقَ في بلديْ فؤادٌ واحدٌ
إلّا وَ منْ هولِ المُصيبَةِ فُطِّرا
يا لَوثَةَ الأمجادِ أودَى مَجدَهَا
ماءٌ تَنَكَّرَ ثمَّ جفَّ وَ غَوَّرَا
يَا نُوحُ ما بالُ الغُرَابِ مُحَوِّمًا
والابْنُ صَعَّدَ في الجبالِ ليَثأرَا
فرعونُ خَاتَلَ بَحرَهُ لكَأنَّمَا
ماءُ القَداسَةِ منْ خُطاهُ تكَدَّرا
هذا صُرَاخُ الحوتِ يُسكِتُ صوتَنَا
ويضيعُ يونُسُ في الظَّلامِ إذَا سَرَى
نَظْمَا وَ يوسُفُ بالمَزادةِ قَائمٌ
منْ مثلُ يوسُفَ في الخَلائقِ مَنظَرَا
وهجرتَ ذاكَ الجُبَّ رغمَ ضيائِهِ
كيْ تُطفِئَ الأنوارَ كيْ تَتَحسَّرَا
والأسودُ الدُؤَليُّ جُنَّ بِقبرِهِ
وعلَا غَشيمٌ وَجهَنَا وَ المِنبَرَا
وتقاذَفتنَا كالرِّياحِ سفَاهَةٌ
رَجَمتْ بتغريبِ الهُويَّةِ عنتَرَا
وكَذَا المعرِّي جُزَّ رأسُ قصيدِهِ
هُمْ حَرَّقُوا لامِيَّةً للشَنفَرَى
يا للمَذاهبِ كمْ أحارُ بعدِّهَا
داءٌ تمكَّنَ في الجَماجِمِ جَذَّرَا
وبَنيتَ هذَا الكونَ منْ ضَوءِ الرُّؤَى
والطيرُ يأكلُ منْ بِذَارِكَ سُكَّرَا
أنتَ الخليفَةُ فِي الدُّنَا طُوبَى لمَنْ
أثرَى الحياةَ بسَاعدَيهِ وَ عَمَّرَا
أفسَدْتَ لا تَربتْ يَداكَ –أمَا تَرى
ويلَ السَّماءِ على الطغاةِ تَكسَّرَا
وَلَّى الضّياءُ وَ غَالهُ ليلُ الأَسَى
وعليهِ قَزْمُ التَافِهاتِ تَأمَّرَا
قبَسٌ منَ الغيبِ المُشعشِعِ جَاءَنِي
وقميصُ يوسُفَ عنْ مصيرِيَ عبَّرَا
عشرٌ منَ الإِخْوانِ أودَى ذكرُهُمْ
والكَوكبُ الصِّدِّيقُ شَعَّ فَأبْهَرَا
سُنَنٌ عِجافٌ لو حَظيْنَ بيوسُفٍ
آبَ الرَّبيعُ إلَى الزَّمانِ وَ بَشَّرَا
ماءُ القَصيدِ دمُ الوريدِ لطَالمَا
أروَى الصَّدِيَّ منَ البَيَانِ وَ أسكَرَا
قمحٌ وَ جدولُ صيفِهَا سَكبتْ لهُ
لغتيْ النَّدى حتَّى تراءَى بيدَرَا
وأنَا سَأُحييْ بالقصائِدِ موطنيْ عزًّا،
وأَبعَثُ فيْ المحافلِ عبقَرَا
أنَا منْ تَعمَّدَ بالدّماءِ قصيدُهُ
أنَا منْ بنَى روحَ القَصيدِ وَ سوَّرَا
فغدَا الكَلامُ بعَبرتيْ غيمًا همَى
والقَلبُ أبرقَ وَالمُغرِّدُ صفَّرَا
رؤيايَ خِصبٌ لو يُلامسُ نُسْغُهُ
هَرَمًا لصارَ مِنَ النَّضارةِ أخضَرَا
وضَمَمتُ وَحْيَكِ في دَميْ أُنْشودَةً
نَهرًا منَ الألقِ الجميلِ تَفَجَّرَا
أشْعلْتُ كالبارودِ حِبْرَ قصيدَتيْ
وأنرتُ بالكَلِمِ الجميلِ الأشطُرَا
وعلَى ضفافِ الكَونِ تُزهِرُ أحرفِي
حلْمًا إذا انْبَلجَ الصباحُ وأسفَرَا
نحنُ الحضارةُ نحنُ أوَّلُ منْ شَدَا
والأبجديَّةَ نحنُ منْ قد صَدَّرَا
غزوُ الفضاءِ يُظَنُّ علمًا مُحدثًا
منْ قالَ ذلكَ؟ نحنُ أوَّلُ منْ سَرى
نحنُ الذينَ رجالُهُمْ منْ بأْسِهمْ
دُهِشَ الزمانُ بِنُورِهِمْ وتحيَّرَا
لاشَكَّ في أنَّ السَّماءَ خريطَةٌ
رسَمتْ عروبَتَنَا وَ حلْمًا أطْهَرَا
يَا لائِمي أقصِرْ ثَكَلتُكَ – إنَّني
أوقفتُ كُلِّيَ لانْتصَارِكَ مَعْبَرَا
نَحوَ النُّجومِ الزَّاهرَاتِ يَشُوقُنِي
مجدُ الدُّعاةِ العَاشقينَ هوَى الذُّرا
حيثُ الشَّآمُ كمَا العَروسُ تَزيَّنَتْ
والنَّصرُ أذَّنَ فيْ دمشقَ وَ كبَّرا
فالشَّامُ لؤلؤةُ المدائنِ سِحْرُهَا
سبحانَ منْ خلقَ الجمالَ وَ صوَّرَا
يَا بحرُ أخبرْ عنْ أبيْ منْ ذَا أبيْ؟
لوْ كانَ للبحرِ اللّسانُ لأَخْبَرَا