سَعِدت نفوسٌ باللقا وقلوبُ
يومَ اجتَمعنا والحياةُ دروبُ
ذُكِّرْتُ عهدا قدْ مضى وأحبةً
حَالتْ عوادٍ دونَها وخُطوبُ
عَهدُ الصّبا يحكي ربيعا زاهراً
ذَُبلَتْ ورود رباه فهْو جَديبُ
عُلّقْتُها دونَ البلوغِ صغيرةً
فَسَبت فُؤاداً قد حوتْهُ جُنُوبُ
وَكأنّها من ضلعيَ الأحْنى أتَتْ
وإلى سِوى ذا القلبِ ليَس تَؤوبُ
يومَ النّوى ذَرفَتْ جُفُونكِ عبْرةً
مِنها لديَّ لواعجٌ ولهيبُ
يا حَبّذا تلكَ العيونُ وحَبّذا
دَمعٌ جَرى مِن مُقلَتيْكِ صَبيبُ
قَد ينْثني المُشْتاقُ وهْو معَذّبٌ
عَن حبّها أبداً وذاكَ عَجيبُ
فَتَخِذْتُ إلْفا بعْد إلفٍ ربّما
أسْلُو وهَيهَاتَ العزاءَ تُصيبُ
تَلهُو ولمْ تعْلَمْ بأنّك هَالكٌ
وَلِسُمّها في أصْغَريْك دَبيبُ
وإذا رمَاك الحبُّ يوماً فالتَمِسْ
وَصْلا وإلاّ لنْ يُفيدَ طبيبُ
يا لَيلَ هلْ بعدَ التّفَرُّق رجْعَة
إنّ الحياةَ مَحاسنٌ وذُنوبُ
لو لمْ يكُن بعْضُ البعادِ محبّبٌ
لم يأتِ صُبْحٌ تارةً ومغيبُ
يا ليتَ شعري هل تزورُ ركائبي
بَلدَ الهوا حيثُ الحبيبُ قريبُ
وأطُوفُ في تلكَ المعاهدِ مرّةً
وأقيمُ فيها مَا أقامَ عسيبُ
أمشي إلى البطحَاءِ مبْسوطَ الخُطى
حيثُ النّسائم والفضاء رحيبُ
وأرى جبالَ الوحشِ زاهيةَ الرُبى
وبحيرةً فيها الهوى مرغُوبُ
وأرى الكهوفَ عَجِيبة أسرارُها
تحكي غَرائبَ مالها تكذيبُ
وادي الرمالِ أمِ الجَمال دَعَوتهُ
وَكِلاهما لَو أنصفوهُ نسيبُ
طوْدٌ تعَطّفَ آخراً فتعانَقا
وَتفارَقا يعْلوهُما تَأنِيبُ
والجِسرُ مِن فوقِ الدموعِ مُلَمْلِمٌ
لِشتَاتها كَيْ لا يطولَ نَحيبُ
أنّاتُ مُشتاقٍ خريرُ ميَاهِها
مجراهُ سيفٌ لامعٌ وصليبُ
نَهجٌ تزيَّن بالزهورِ كأنّه
حَسناءُ بارعةُ الجمالِ لَعوبُ
وقُصورها مثلَ الحصونِ مَنيعَة
ورِياحها إلّا صباً وجنوبُ
وَرياضها مثلَ الحريرِ مطرّزاً
أو قل يدٌ للغانياتِ خضيبُ
وَجسورها تلْقى الهواءَ معطّراً
سَمْحاً عليها والزمانُ طروبُ
واذْكرْ بها عبد الحميدِ وصحبةً
كانوا شموساً في السماءِ تجوبُ
إنّي بحبّك يا "قسنطي" مولعٌ
لَكَما تعَلّقَ يوسفاً يعقوبُ
حيّيتِ يا أمّ العواصمِ والقرى
بقريضِ صبّ دمْعهُ مسْكوبُ.