عُشْبٌ قليلٌ،
نابتٌ فوق السفوحِ الذاهلاتِ،
يعودُ أحياناً ليسْريَ في عروقي،
مثلَ أوجاعٍ خفيفهْ.
يأتي إليَّ كأنّه يثِبُ الظلامَ بلمْحةٍ منه رهيفهْ.
يأتي خجولاً ناعماً،
ويموجُ في بالي،
فأذكُرُ أوّلَ الخُطُواتِ،
حيث الخَطْوُ يُهْدي للثرى
بعضَ السماواتِ الصغيرةِ،
حيث لا تُفْضي الدروبُ إلى ذُرى الأهْوالِ،
بل تُفْضي إلى هوْلٍ صغيرٍ،
نرتمي فيهِ، ويلْهو بيْننا،
فرِحاً بِنا،
فإذا السماواتُ التي غامتْ
خطوطٌ نحن نرسمُها، وترقصُ حوْلنا.
عُشْبٌ بليلٌ،
ضاحكٌ فوق السفوحِ الذاهلاتِ،
يعودُ أحياناً ليخْفقَ في عروقي،
ثم يمضي،
تاركاً بعضَ الندوبِ على يديَّ،
كأنّها وشْمٌ،
يُنبِّهُني إلى نأيٍ له عبْرَ السنين،
إلى متى ينأى وينأى ؟
لم يكَدْ يختالُ في خَلَدي،
بليلاً، ناضراً،
حتى تهاوتْ أرضُهُ وسماؤهُ،
وأضاعني.
لكنّه من حيث لا يدري،
يعودُ إليَّ أحياناً ليخْفقَ في عروقي.
عُشْبٌ بخيلٌ،
لم أَنَمْ في مهْدِهِ إلا قليلاً.
كيف أذكُرُ أمْنَهُ،
بعد الذي عرفتْهُ ذاكرتي،
رماداً، أو حرائقَ،
كيف أُدركُهُ ؟
وقد شطّتْ بيَ الطُرُقاتُ في تيهٍ
يُبدِّدُ كلَّ مهْدٍ في المكانِ،
وكلَّ مهْدٍ في الزمانِ،
أكان لي أنْ أستفيقَ على هبوبٍ،
راحَ بي في كلّ صوبٍ ؟
لم أَنَمْ إلا قليلاً فوق ذاك العُشْبِ،
لكنّي نظرتُ إلى السماءِ، فخِلْتُها تعلو وتعلو ...
كنتُ أسْتلْقي على ظهْري،
فتُشْبِهُني السحاباتُ التي
اسْتَلْقتْ على كبِدِ السماءِ،
فقَدْتُها، تلك السحابات القليلهْ.
لم أَنَمْ إلا قليلاً فوق ذاك العُشْبِ،
ثم مضيْتُ،
لا أدري، أأُدركُ نفْحةً منه بليلهْ.
عُشْبٌ نأى،
ويعودُ أحياناً،
وقد جمَحَتْ بيَ الأيّامُ،
لا أدري أكان هو البخيلُ،
أم السنينُ المثْخَناتُ هي البخيلهْ ؟