كأنّي في مَهَبٍّ أوّلٍ،
أمشي، فتقتربُ الجبالْ.
تُدَمْدِمُ حوليَ السُّحُبُ الجبالْ.
كأنّي في الفيافي البِكْرِ،
أَقبضُ من رحيقٍ غائرٍ،
روحاً لأيّامي التي وهنَتْ.
كأنّي أستعيدُ لنفْسيَ الماءَ الذي ضاعتْ أوائلُهُ،
وأفْلَتَ بعد ذلك في مجاريهِ التي ضيَّعْتُها.
سُحُبٌ تعالتْ في فضاءِ الروحِ،
_ روحي بعدما انتفضَتْ _
هنا للأرض برْقٌ يبعثُ السُّحُبَ الجبالْ.
ويجتذبُ السماواتِ البعيدةَ،
ثم يُلْقيها على القَفْرِ الذي يُغْضي،
طَروباً للشموسِ وللظلالْ.
جبالٌ مثلُ آلهةٍ عُراةٍ،
هُمْ نُثارُ القَفْرِ،
أثوابُ السماواتِ التي هبطتْ.
جبالٌ مثلُ آباءٍ حنَوْا هاماتِهِمْ،
زُلْفى لأبناءٍ لهُمْ،
كي يسْتقِرّوا فوق هاماتِ الرّدى، والهوْلِ،
والسُّبُلِ التي تنْسَدُّ في اُفُقِ المحالْ.
جبالٌ لا تُنالْ.
أرْسى أُناسٌ فوقها سَكَناً لهُمْ،
حتى يَغيبوا في غيابٍ شاهقٍ.
لاحتْ أعاليهمْ وهُمْ غابوا.
كأنّ بيوتَهُمْ حُجُبٌ أقاموها على قمم ِالجبالْ.
كأنّي في مَهَبٍّ للأساطيرِ الوليدةِ،
مَن أثارَ الرُّعْبَ في هذي الوُعورِ المشْرئبّةِ ؟
ثم ذلَّلَهُ،
وألقى فوقه سِحْراً،
فماجتْ هالةٌ مذهولةٌ فوق الشِّعابِ،
كأنّها شُهُبٌ تُحَدِّثُ عن جُموحِ الوعْرِ،
عن نَهَم ِالطبيعةِ وهْيَ تصْعَدُ،
عن صخور ٍللفضاءِ المسْتميتِ على الجبالْ.
كأنّي في مَهَبٍّ للأساطيرِ الوليدةِ،
أنقُلُ الخطْوَ الذي يعتادُني من ألفِ عام ٍ،
أتْبَعُ البرْقَ الذي يعتادُني من ألفِ عام ٍ،
أقبضُ الروحَ التي انقبضَتْ،
وأذْروها،
فتحْضنُها الِجبالْ.
وتطيرُ مُثْقَلةً بها السُّحُبُ الِجبالْ.
مَقيلٌ واحدٌ هذا الزمانُ،
تدورُ نبتتُهُ عليْنا،
تصْطفينا تحت أفياءٍ مضرَّجةٍ،
وتحْنو فوقنا أُمّاً،
ولكنّ العويلْ ...
يأتي إليْها من أقاصينا الشحيحةِ،
يرتمي في حضْنها،
يرْتجُّ في أغصانها حتى تَميلْ.
فتغيمُ ثانيةً، وثالثةً،
وتُمْطِرُ بين أنحاءِ المقيلْ.
من أين تُمْطِرُ أو تَغيمُ ؟
وكيف تَحْنو فوقنا أُمّاً ؟
وهل تنْشَقُّ من لغةِ العويلْ ؟
أُعالجُ هالةَ الأيام ِ،
أَبْكيها،
أُعالجُها بآياتٍ من الشجَنِ.
أليستْ هالةَ الخوفِ الذي رافقْتُهُ يوماً إلى يوم ٍ،
ورافقَني ؟
هنا، لم أدْرِ كيف لَمَحْتُ أمواجاً مُعَفَّرةً،
على الطُّرُقِ التي انْسَدَّتْ،
وكيف لَمَحْتُ أشواقي التي فارقْتُها.
يا أيها القَفْرُ المموَّجُ،
كيف تأخذُني إليكَ على ترانيم ِالنحيبْ ؟
يا أيها القَفْرُ المتوَّجُ،
بالسحابِ وبالعذابِ،
ألا ترى وجهي، تبدَّدَ في تموُّجِكَ الرحيبْ ؟
يا أيها القَفْرُ الذي لا يعرفُ الأمطارَ إلا فجأةً،
فتدُقُّ صخرتَهُ العنيدةَ، ثم تمضي فجأةً،
ماذا تقولُ لكَ السيولُ إذا جرَتْ
مثلَ الخيولِ على جبينِكَ،
هل تقولْ ؟
أم أنتَ تهْوى أنْ تنامَ مُهَدْهَداً تحت السيولْ ؟
كأنّي قد أتيْتُ إليْكَ لا مُسْتهْدِياً،
بل هائماً،
فوجدْتُ عندَكَ أضْلعي الأولى،
وفيها خفْقةُ الْمُزُنِ.
كأنّي قد أتيْتُ إلى هنا في غفْلةِ الزمنِ.
فوجدْتُ أيّامي، تقطَّرَ ذوْبُها،
في أدْمُعِ اليمَنِ.
صنعاء _ تعز (20_29 نيسان 1992)