إِذا ما بَدَت شَمسٌ بَدا اللَّيلُ ذَاهِبا
وَذا النَّجمُ لَمّاعٌ وَما كانَ غَائِبا
أَرَى مَرَّها فَوقَ السَّحابِ كأَنَّهُ
حَبِيبٌ يُغَطّي الوَجنَتَينِ مُداعِبا
وَإِنِّي خَبيرٌ فِي حِسابٍ وَتَلعَةٍ
أَعُدُّ نُجُوماً أَو أُديرُ الكَواكِبا
وَلَم أَرَ يَوماً طَلعَةً مِثلَ طَلعَةٍ
تُنيرُ بَساتيناً بِها الخَيلُ لاعِبا
إِذَا ارتَشَفَت عَينُ الغَديرِ ضِياءَها
رَأَيتَ لُجَينَ الماءِ لِلشَّمسِ شَارِبا
وَبُلبُلُ غُصنٍ قَد تَغَنَّى بِصَوتِهِ
حَمَامٌ شَجِيٌّ في السَّماءِ تَطَرَّبا
وَنادَت غَزالُ الحَيِّ مِن عَطَشٍ بِها
فأَغدَقَ مِن ماءِ الدُّجَيلَةِ طَيِّبا
تُطِلُّ عُيونُ الماءِ فيهِ صَوافياً
تُسَابِقُ فِي الجَريِ الغُيُومَ السَّواكِبا
يُغَرِّدُ قُمرِيُّ الصَّبَاحِ كَمَن شَدا
بِأَلحانِ صَبٍّ يَستَميلُ الحَبائِبا
وَلَو شِئتُ نِلتُ الفَخرَ حينَ هُدوئِهِ
وَقُلتُ جِناناً أَلبَسَتنا الجَلابِبا
تَلُوحُ لَنا الآفاقُ كالوَحيِ بَهجَةً
فَنَقرَأُ مِن صَدرِ السَّماءِ العَجائِبا
فَيا حُسنَ وَادٍ بِالحَصاةِ مُطَرَّزٍ
يَزُفُّ إِلى شَطِّ الفُراتِ الرَّغائِبا
يُناجي طُلُوعُ الفَجرِ بَردَ هِضابِهِ
وَيَرتَدُّ عَن صَدرِ الفَضاءِ مُواكِبا
تَمِيلُ غُصُونُ السِدرِ فيهِ كَأَنَّها
عَرائِسُ خُودٍ قَد نَسَلنَ الذَّوائِبا
وَفي النَّرجِسِ الوَسنانِ عَينٌ كَئِيبَةٌ
تُراقِبُ فِي جَوفِ السَّوَاقِي الرَّوَاكِبا
وَتَزهُو بِأَطنابِ الغَدِيرِ كَأَنَّها
شآبِيبُ عِطرٍ لَم تَجِد منهُ مَهرَبا
وَخُضرَةُ ذاكَ المَرجِ مَدُّ بَصِيرَةٍ
تَرُدُّ إِلى العَينِ الكَليلَةِ مَذهَبا
أَلا مِن هَواءِ الفَجرِ فِيهِ لَطافَةٌ
تُعِيدُ شَبابَ القَلبِ غَضّاً مُناوِبا
إِذا نَسَمَت نَحوَ العَلِيلِ نَسيمَةٌ
شَفَت مِن غَليلِ الصَّدرِ رَوحاً وَجانِبا
تُهَزهِزُ أَوراقَ النّباتِ كَأَنَّها
تُطَيِّرُ عَن جَفنِ الرُّقَادِ الغَيَاهِبا
فَيا طيبَ هَذي الشَّمسِ ضَوئاً وَنَفحَةً
سَتَذهَبُ عَن أَرضِ العِراقِ المَغارِبا
وَما نَحنُ إِلّا في مَغانِيهِ أَنفُسٌ
تَصيغُ مِنَ الشِّعرِ الحَلالِ مَوَاهِبا
وَنَحنُ الَّذينَ استَنقَشوا الصَّخرَ حِكمَةً
وَخَطُّوا بِأَقلامِ البَيانِ المَراتِبا
بَنَينا بِهِ لِلمجدِ صَرحاً مُمَجَّداً
كَتَبنا عَلى هامِ النُّجومِ المَطالِبا