خطاطيف قلبي أتتْ من بعيد
فشرّعت قلبي لأبدأ رحْلَتِيَ الموسميّهْ
ففاجأني الماء وهو جليد
وتلك الغصون الّتي لم تبرعمْ.
أ ما آن للثّلج أن يتفتّح ماءً،
وأن يفتح الماءُ بابا له في مسام التراب،
وبابا لقلبيَ في ليل هذا الزّمان،
ونافذة قد تطلّ على ما اختفى..
من دمي في عيون السّماء،
وما ضاع من وهج الشّعر تحت ركام السّنين؟
فهذي القصيدة تُوجِعُني عندما لا تجيء
وحين تجيء.
تفاجئني حين تأتي
كسارقة تستبيح حمى خافقي دون إذن
فتسلبني النومَ، تُدْخِلني الحلْمَ..
تُسْكنني حين تَسْكنني الحزن..
تُوقِفُنِي في الصّراط،
وتُسكنُ قلبيَ منزلةً بين منزلتين
تسالمني حين يغدو شعوريَ حربا.
وحين يمزّقني الحبّ رغبا ورهبا،
تلملم أشلائي المتناثرات هنا وهناك
تعيد إليّ اتّزانيَ في عالم كلّ ما فيه..
يشكو من الاختلال
ويشكو التردّد بين الكيان وبين العدم
فما أصعب الشّعر حين يجيء
وما أصعب الشّعر حين يغيب
وإنّيَ ما بين هذا وذاك
أسيرُ أسيرَ الأسى
ألا تعلمين بأنّك حين وعدت
بأن نلتقي
فتحت لقلبيَ دنيا من الأمنيات
وحين خلفت
ضربت له موعدا
مع الحزن والانبتات
وإنّيَ ما بين هذا وذاك
أسيرُ أسيرَ الأسى
أسير غريبا، غريبا
غريبا أنا في عيونك غربة موج البحار
عن السّير بين الصّحاري
غريبا كنوِر شهاب يجوب ليالي الشتاء
فهل تسمعين خطى الحبّ تعدو على درب قلبي
وتزرع في كلّ شبر نبيذا وشوقا
وفاكهة في حنايا دمي
أنا من أنا؟ أنا من لا شموس له غير عينك أنتِ
ولا أرض غير مساحة حبّك أنتِ
ولا روح إلاّ انتمائي إليك
فحتّى متى سأظلّ غريبا
كأوّل نجم يحطّ الرّحال بساح السّماء
غريبا عن الماء في بيت لحم
وقد كان لي في حماها
ديار وأهل وأرض وماء
وها أنّني اليوم صرت غريبا
كطفل تُربّيه أمّي..
الّتي فقدتْ والدي من سنين
وزوجةُ عمّي تربّي الأماني
معي، مع كلّ وليد جديد
وعمّي يجيء إلى بيتنا كلّ عام
ويمضي غريبا
كبدْرٍ يَجُوبُ الفضاء نَهَارا
لماذا تَشُقّ عليه الإجابه
ويتركني حين أسأله: أين تمضي؟
وحين ألجّ أنا في السّؤال
يهزّ يديه كصفصافة ويقول:
لنا أمسنا ولكم غَدُكُمْ...
وأمّا التراب فقد كان مِلْكًا
لكم قبل أن تولدوا
وسوف يظلّ لنا بعدَ أن تأتي علينا الحياة
أنا أنت يا ابن أخي..
وذي بنت عمّك كن يا بنيّ لها
مضى الآن عام وما عاد عمّي
ولم أرَ صفصافة بعدها
فأقبلت أسأل أمّي:
لماذا خلا الحيّ؟ أين الرّجال؟
فقالت: ستكبر يا ولدي..
وستعرف أنّ الرّجال فقط يُقْتَلون ويُسْتَشهدون
وأشباههم يرثون الحياة.
ومرّت سنون وصار الصبيّ رجل
وقال: كم امرأة في حياتي
تخلّل قلبي هواها
وأسرى بعينيّ في بحر دمع رجيم
كم امرأة في حياتيَ ما دقّ خافقها لسواي
فكم ذا عُشِقْتُ وكم ذا عَشقْتُ
وعلّمني الحبّ أن غرام النّساء
يعلّم صنع القدر
ولكنّ ما بين قلبي وبين الوطن
لأكبر من حبّ كلّ النّساء
فما أهون العمر حين يقدّم مَحْرَقة للوطن
فيا وطني
يعلّمني الحبّ أنّ الشّهادة..
من أجل عينيك ألف حياة
وإنّي أنادي الغزاة
تعالوا إذن؛
دماء الشّهيدة موصولة بدماء الشّهيد
ونمضي ولن يتفرّق سيل الخُطَا..
عند منعرجات الرّصاص
سنُسقط راياتكم راية بعد رايه
ونكتب آياتنا آية بعد آيه
أ كان بوسع السّماء تجاهل صوت الفداء
إذن خُطَّ عندك..
إن كنت أنت تريد حياة فنحن نريد وطن
وما أهون العمر حين يقدّم محرقة للوطن
سنبدأ من حيث فارقنا الأوّلون
ونخطف من خصلة الشمس خيطا
من النّور حتّى نعيد البدايه
وحتّى نخطّ حدود الوطن
وحيث وجدت الضياء تَجِدْنا
ففتّش إذن عن أماكن لا تشرق الشمس فيها
فثَمَّة وجه الحصار
وثمّة سوف تراهم
ملايين خلف الملايين يمضون كَلْمَى
ترى في البطاقات جنسيّة عربيّة
ولست ترى في العروق دما عربيّا
ولا في الوجوه سمات العرب
وتبكي على وائل أختُه فاطمَهْ
وأدرك أنّ الزّمان إذن ليس بعد زمان العرب
لأنّ الشهيد، شهيد العرب
إذا كان يوما له أن يعود الحياة
سيختار ما اختار بالأمس..
إمّا حياة ونصر وإمّا ممات وقبر
ويصرخ: إنّي الشّهيد
سأُولِمُ من جسدي، من دمي للوليد وطن.