جاء المُغَرَّبُ لا شيءٌ يُحَيِّيهِ
قد كان يحلُمُ يوماً لو تُلاقيهِ
أتاكَ يحملُ بعضَ الهمِّ في يدِهِ
لكنَّ ما يُقلِقُ الأحبابَ يُخفيهِ
يُخفي الكثيرَ وما يُخفيهِ يُزعجُهُ
محطَّمُ القلبِ مربوطٌ بماضيهِ
أتاكَ أنتَ إذنْ مِن بعدِ موطنِهِ
فخُذْ إليكَ عراقيّاً بما فيهِ
ومُتْعَباً تقْصِدُ الأيامُ عُزلَتَهُ
ظنّاً بأنَّ فراقَ الأهلِ يُظْنيهِ
فأوّلُ الهَمِّ نفسي ليتها عَدَمٌ
وثانيَ الهَمِّ قلبي بعدَ أهليهِ
جاءَ المُغرَّبُ مأسوراً بحسرتِهِ
تكويهِ والنارُ ما كانتْ لِتكويهِ
الناصريَّةُ كانت كلُّها بصراً
ترنو لهُ وإذا اشتاقتْ تُناديهِ
والماءُ يركَبُ رأسَ النخلِ لو يبِسَتْ
أضلاعُهُ وبرُغْمِ القهرِ يسقيهِ
حديثُكَ العَذْبُ حدَّ السِّحرِ يُطربُهُ
وصَمْتُكَ الصُّلْبُ أنغامٌ تُسلِّيهِ
ووجهُكَ الطَّلْقُ رَدَّ النفسَ راضيةً
مسرورةً لم تَجِدْ همّاً تُعانيهِ
وهمُّها تَجمعُ ألآحادَ في أحَدٍ
ليتَ الليالي جميعاً أُدْرِجَتْ فيهِ
والشاي مِن يدِك البيضاءِ نَشْربُهُ
مَنْ كان ذا علَّةٍ بالشايِ تَشْفِيهِ
بما لديّ بما عندي بما عشِقَتْ
عينايَ أنتَ وعينُ المرءِ تكفيهِ
مَنْ أنتَ تبغضُ كانَ اللهُ يبغضُهُ
واللهُ يهدي الذي أحْبَبْتَ تَهْدِيهِ
نَعَمْ كثيرٌ لمِثْلي لو تُلاقيهِ
وقد يكونُ قليلاً لو تُجافيهِ
في ليلةٍ غارت الأقمارُ وانسَحَبَتْ
قد بتَّ وحدَكَ طولَ الليلِ تأتيهِ
والبيتُ في مَعْزِلٍ عنا يُعاتِبُنا
مِنْ بعدِ وجهِكَ مَنْ للبيتِ يبنيهِ؟
ومَنْ يُدافعُ عنْ نهرٍ وعن شجرٍ
مِنْ بعدِكَ ادَّعَتِ الغربانُ تحميهِ
تركتَ بغدادَ محبوسٌ بها دمُها
وحيدةً بينَ حَشْدٍ مِن أياديهِ
يدٌ تطولُ مآقيها لِتَجْرَحَها
وألفُ كفٍّ تَجُرُّ الصَّدْرَ تُدميهِ
وألفُ كفٍّ إلى أحشائِها اتَّجَهَتْ
وألفُ ألفٍ تكادُ النَّسْلَ تُفْنِيهِ
ونحنُ نندبُ يا أللهُ تأخذهُ
ظنّاً بأنّا بهذا الوجهِ نُرضيهِ
وكلّما قلتُ يا أللهُ تَأْخُذُهُ
كأنَّني قلتُ يا أللهُ تُبْقيهِ