ضاقت ربوع الأرْزِ عن نَزَعاتهِ
وطموحه العالي وعن رغباتهِ
ورأى ميادين الجهاد قصيرةً
فيها تضيق على مدى وثباته
ويدُ الشقاء تقُضُّ مضجع أهله
والجهل ينشر حوله ظلماته
فَيَدٌ تشدُّ خناقه ويدٌ على
فمه الجريح تلحُّ في إسكاته
فأبت عليه نفسه أن يرتضي
عيشًا ينوء بذله وأذاته
فَرَنَا يقلِّب في الفضاء عيونَه
وروائع الأحلام في نظراته
طافت به أحلامه في عالمٍ
يزهو بثروته وحريّاته
فمضى يهيِّئ للرحيل عن الحمى
عُدَّاتِه والعزمُ من عُدَّاته
متذرّعًا بالصَّبر يومَ رحيله
عن أرْزهِ الغالي وعن غاباته
متذرّعًا بنشاطه متمنطقًا
بالمرهف المسْنُونِ من عَزَماته
هي نزعةٌ في نفسه موروثةٌ
عن صِيدِ لبنانٍ وغُرّ أُباته
يمضي وغَالِي روحه في كفِّه
وحياتُه وقفٌ على غاياته
من قد رآه والسفينةُ أوشكت
أن تترك الميناءَ في لهفاته
يرنو إلى أوطانه في لهفة الْ
مستوحشِ النائي وفي لوعاته
فهناك قريتُه وهذا بَيْتُهُ
والأمُّ واقفةٌ على عتباته
وقفت مسمَّرةً على لوح الأسى
والقلبُ ينزف من جميع جهاته
تبكي وتَشْرَق بالدّموع تحسُّرًا
ويْلِي لقلب الأم في حسراته
وهنا المَعين وتلك تلك طريقه
كم وقفةٍ للحب في طُرقاته
صُوَرٌ عرضنَ له فأطبق طَرْفَه
مستغرقًا في عَرْض تذكاراته
حتى إذا غابتْ معالم أرضه
وجلال أرز الربّ عن نظراته
حزَّ الأسى في نفسه واليأسُ عضْ
ضَ على الفؤاد فذاب في عَبَراته
خالَ النَّوَى حَلْوَى فلمّا ذاقَها
ذاق الكريه المرَّ في كاساته
أرأيتَه وقد استقرَّ به السُّرى
يسعى إلى تحقيق أمنيّاته
في عالمٍ لا أهلُه من أهل لبْ
نانٍ ولا العاداتُ من عاداته
يمشي إلى رغباته ثبْتَ الخُطَا
فإذا الصعابُ تذلُّ عند ثباته
والدهرُ منعفرٌ على إقدامه
والحظ والتوفيق في خطواته
وإذا به يعلو إلى قمم العُلا
في وثبة الجبّار من وثباته
كم في المهاجر من عصامٍ نابغٍ
غنَّى بنو الدنيا بطيب صفاته
أو شاعرٍ غنَّى الزّمان بشعره
والكونُ أرقصه على نغماته
هو في بلاد الغرب يَنْظِم شعره
لكنَّ سحر الشَّرق في نفثاته
نغماتُ داودٍ على قيثاره
وعبير أرز الربِّ في نفحاته
أو عبقريٍّ ملهمٍ آيُ الهدى
والحق والبرهان في آياته
رَفَعَ اسمَ لبنانٍ وأعلى ذكْرَهُ
في الغرب بين يَراعِه ودَوَاته
لم يُنسِه وهْجُ النضار ولا العلا
إخوانَه فيها ولا أخواته
أو ناطحاتُ السُّحب في عظماتها
أكواخَ لبنانٍ وعِلّيّاته
لم تُلهه الغاداتُ في زيناتها
عن ريم واديه وعن زيناته
فحديثُ لبنانٍ نشيد فؤاده الشْ
شَاكي ونجوى الأرز بعضُ صَلاته
أنسَتْهُ غربتُه نقائصَ قومه
فأحبَّ موطنه على عِلاَّته
فيَوَدُّ لو يُغْنِي بنيه بماله
ويُقِيلُهُ بالرُّوح من عثراته
ويودُّ لو أمضى الحياة بخيمة النْ
نَاطور بين خِرَافِه ورُعاته
فيرافق القطعان عند سَراحها
ويسامر الرعيان في سهراته
بل ودَّ لو كَحَلَ الجفونَ بنظرةٍ
من أرزه وقضى على صخراته
عرِّجْ على الكوخ الحقير وسل به
يُخبرْك أهلُ الكوخ عن حسناته
وسَلِ القصورَ تُجبْكَ في خيلائها
عن جهده الغالي وعن ثمراته
يا ربِّ رُدَّ على البلاد شبابها
واعطفْ على لبنانَ في نكباته
إن المهاجر قطعةٌ من قلبه
بل مهجةٌ حمراء من مهجاته
هو شُقّةٌ من روحه هو ذاته
سلخَتْه كفُّ طموحه عن ذاته
هو درعه في الحادثات وسيفه ال
هاوي على ظُلاَّمه وبُغَاته
لولا المُهَاجرُ مات لبنانٌ طِوىً
فهو المدين له بردِّ حياته