أمرُّ القضاءِ إذا أَرغَما
على البَيْنِ قلبَيْنِ قد أُغرِما
وحار الخليلان أين المصير
وأبكمَ هولُ الوداعِ الفما
وداعٌ تلَتهُ دجًى لا تُزاح
وحزنٌ أباحَ بقلبيْ الحِمى
فما نسّمَ الليلُ إلا وسالت
شؤونُ العيونِ دَما مُضرَما
وما ذكرَ "الجسرُ" إلا تعالت
نداءاتُ شوقٍ تَجيشُ الدَّما
تكاد الضلوعُ تذوبُ اشتياقا
وعينيَ توشك أن تُظلِما
لقد أقصرَ الدهرُ عن عوننا
وأكْدى عن الوصلِ أن يسلما
غدرتِ بنا يا صروفَ الزمانِ
وما كنتُ أحسبُ أن نُصرما
طلعتُ ثنايا الفراقِ حسيرا
ولا بدّ للصبّ أن يندما
وودعتُ فيها غزالًا أسيفًا
أحاطَ به الحزنُ فاستسلما
يكتّمُ دمعَ الوداعِ اصطبارا
فما زجرَ البينُ إلا همى
وألقى محيّاه فوق ضلوعي
لئلّا أرى الدمعَ حين سما
قتيلكِ بين يديكِ فقولي
إذا شئتِ عشْ ينتفضْ مُغرما
وإن تتركيه صريعا إذًا
مقامَ الشهادة لن يُعدما
حياتيْ وموتيْ رهانُ يديك
وحرّمَ ربكِ سفكَ الدِّما
لعمركِ إن تصحبينيْ فما
أريدُ من الدهر أن يُنعما
فإن نعيمًا بغير وصال
جحيمٌ تلفَّحُ من أجرما
وإن العذابَ إذا كنتِ قربي
كنار الخليل لمن أسلما
فلم تتكلم ولكن أشارت
إشارةَ يأسٍ شديدِ الظما
سكتْنا لتنطقَ عنا العيونُ
فأنصتَ نَوْرُ الرُّبى والسَّما
فهل لكَ مِن لوحةٍ نقشُها
عشيقان خوفَ النوى التحما
وأنسامُ رقَّت وغصنان مالا
حنينا وشوقا لبعضهما
ومرّ الوداعُ على رِسْلِهِ
وطالَ العناقُ ولم يسأما
سيصبحُ هذا اللقاءُ اشتياقا
ويبني له في الحشا خِيَما