يَزُوُرُهَا خَيطَ نُورٍ ثُمَّ يَرْتَحِلُ
فَلَا التَّمَائِمُ تُجْدِيها ولا الحِيَلُ
كم أَسْبلَتْ جَفْنَ أنّاتٍ... على صُوَرٍ
نَذْرٌ عليها بطيفِ الأمسِ يكْتَحِلُ
كم علّقتْ بصلاةِ الفجرِ أنجُمَها
ورتّلتْ ضَحْوةً نجوى لمن رحَلوا
ما دغْدَغَتْ سورةٌ أسوارَ لهفتِها
إلاّ وراحَ حنينُ الرّوحِ يشتعلُ
فصلُ الغيابِ يباسٌ، واليباسُ أسى
كاللّصِ ينْسَلُّ من ساعاتِهِ الأجَلُ
حَرْبٌ على اليَأْسِ في مِحْرَابِ خَيْبَتِهَا
إذا سَجَا اللَّيْلُ تُذْكِيْهَا وتَبْتهلُ
تَغْفُو على حُلُمٍ تَصْحُو على حُلُمٍ
ومِنْ يَدَيْهَا يَطِيْرُ الحُلْمُ والأَمَلُ
كما فِرَاخِ السُّنُونُو طَيَّ أَجْنِحَةٍ
لها نُرَفْرِفُ حُبَّاً حِيْنَ تَنْسَدِلُ
منها إليها قطوفُ الشوقِ دانيةٌ
قِدِّيْسَةٌ بِعَبِيْرِ الطُّهْرِ تَغْتَسِلُ
كُنَّا نسيرُ وَشَوْكُ اليُتْمِ من دَمِنا
لَهُ ارْتِشافٌ وما تاهَتْ بِنَا السُّبُلُ
تخبئُ الّلحظاتُ البيضُ ما نثرتْ
على دقائِقِها آمالُ من أمِلوا
وهَا وَصَلْنَا لِغَايَاتٍ مُعَطَّرَةٍ
تَزْهُو بِنَا فَرَحاً أُمّي وتَحْتَفلُ
عشرونَ موتاً وعشرٌ أشعلتْ حرقاً
في مَلْعَبِ العُمْرِ والأَيَّامُ تَقْتَتِلُ
واليَوْمَ عَادَتْ سِيَاطُ الهَمِّ تَجْلِدُنِيْ
تُنِزُّ في النّفسِ جُرْحاً لَيسَ يَنْدَمِلُ
نوارسُ القلبِ ضلّتْ عن شواطئِها
والموجُ عاتٍ، وطوقُ البيْنِ مكتملُ
ضَجَّتْ جِرَاحُ النَّوَى في بَوْحِ ذَاكِرَةٍ
مَعْ كُلِّ خَفْقَةِ شَوْقٍ مسَّها وجَلُ
كُلُّ الجُسُورِ بِلا وَعْدٍ مُحَطَّمَةٌ
والوَعْدُ حَتَّى ضِفَافَ الوَهْمِ لا يَصِلُ
بَحَثْتُ عن غَارِ ثَورٍ ما وَجَدْتُ سِوَى
مِحْرِابِ والدَتِيْ في رُكْنهِ طَلَلُ
فيهِ ارْتَدَى وَجَعِيْ قُمْصَانَ لَوْعَتِهَا
يُراوغُ الخوفَ والدَّمْعاتُ تَنْهَمِلُ
توأمْتُها غُصَصاً، غاصتْ بنا وَرَسَتْ
فَوْقَ اللظَى حُرْقَةَ الحِرْمَانِ نَنْتَعِلُ
يَا آهَةً لم تَزَلْ في الصَّدْرِ عَالِقَةً
منذُ اليَفَاعَةِ مُرَّ القهرِ تَخْتَزِلُ
سَلِي جراحَ الأيامى إنْ سَلَتْ ألماً
أن تحضنَ الفجرَ كي تُجلى به المقلُ
هُزّي إليكِ نخيلَ الرّوحِ وانْهمري
نوراً وفاتحةُ الإصباحِ تنجدلُ
هيَ الحَيَاةُ نَوَاعِيْرٌ تَدُورُ بنا
نقاءُ قِمَّتِهَا بِالقَاعِ مُتَّصِلُ