إِنَّ حزني في أَرض بغداد بادي
كل يوم في شدة واِزديادِ
ربّ أَبدل لي قربها بالبعاد
طالَ في بغداد فمضَّ اِضطهاديفَقلَتْها نَفسي وملَّ فؤادي
أَنا مِن بَغداد وَبَغداد مِنّي
مبدياً ضجرة وَمنها التجني
وَلَقَد ساءَ بالعَواقِب ظني
نجني رب نجني رب إنيقَد سئمت الحَياةَ في بَغداد
إنني عائشٌ بها بين قوم
ليس من نوع ما يسومون سومي
ليتهم ينتهون إذ طال لومي
ما أقاسيه ثَمَّ في كل يومشفّ جسمي وفتَّ في الأعضادِ
لبَّثتني عوائقي تلبيثا
في ديار بالظلم فيهنَّ عيثا
بين قوم لا يَفقهون حَديثا
ساقهم للشقاء سوقاً حَثيثاما بهم من جهالة وَعناد
كم لهم من صحائفٍ سوَّدوها
بخطايا منهم بها خلَّدوها
فتنٌ إن تقادمت جدّدوها
كلما نارها انطفت أوقدوهابالوشايات أيَّما إيقادِ
إنني في يم تلاطَم شرّا
بين أَمواجٍ أزبدت لَيسَ يُدرى
أَي موج يَكون لي فيه قَبرا
إنما زورقي توسط بحراثار فيه الأمواج كالأطواد
كل يوم مصيبة تتجدد
لي فيها ومشكل يتولد
وعدوّ بشرّه يتوعد
بلدة عفتها على أنني قدكان فيها لشقوتي ميلادي
بلدة عمَّ جانبيها الخراب
ما بها عن قتل النفوس اجتنابُ
في حماها الذي دهاه اغتصاب
للعذارى من الدماء خضابفي زمان الأعراس والأعيادِ
ظهرت في عز الجمال وبانت
قبل هذا بأعصرٍ ثم هانت
وإلى الظلم والعذاب استكانت
أصبحت للشقاءِ أرضاً وكانتفي زمان الرشيدِ أرض رشادِ
أصبحت بعد ذاك بغدادُ أرضاً
لنفوس من الجهالة مرضى
في رجالٍ لا يستطيعون نهضاً
أين بغداد في زمان تقضَّىحيث كانت بغداد أرقى البلادِ
أين تلك الآمالُ تلك الأماني
أين تلك الرياضُ تلك المجاني
أين تلك الربوع تلك المغاني
أين تلك الشبان تلك الغوانيأتواصوا جميعهم بالنفادِ
أين ذهن قد كان يشبه برقاً
سرعةً في فهم الأمور وخفقا
حرقته نار التوقُّدِ حرقاً
إنك اليوم لو تفتش تلقىجمرة منه في ركام الرمادِ
وَيحَ قَلبي فإنه قد ريعا
حينَ سارَ الأظعان سيراً سَريعا
عَن ربوع كانوا لهنَّ رَبيعا
فالبسي إِذ قضوا وَبادوا جَميعالهم يا بَغدادُ ثوب الحداد
لا تُقِم بالديار فهي خلاء
فارقتها الدُّمى وعزَّ اللقاءُ
ارتحل فالبقاءُ فيها شقاء
ذُمَّ في هذه الربوع بقاءبعد سلمى وزينبٍ وسعادِ
لبست من وشي النظام برودا
في زمانٍ قد انقضى لن يعودا
ليته دام ظلُّه ممدودا
هي كانت للعلم فيه عهوداجاد تلك العهود صوبُ العِهادِ
إن حكم الزمان في الناس ماضي
إنه لو علمت أحكم قاض
رضى المرءُ أو غدا غير راضي
كل ملك فإنه لانقراضكل كون فإنه لفسادِ
أَهل بَغداد بدَّلوا الصدق زورا
رب لا كانَ ذنبهم مغفورا
زَرَعوا للشرور فيها بذورا
أَيُّها الزارِعونَ فيها شروراسوف لا تحمدون يوم الحصاد
أهلها لا كانوا هنالك أهلا
ذهلوا عن طريقة العلم ذهلا
وسعوا يطلبون بالعلم جهلا
أيها السائرون في الجهل مهلاستذمون سير هذا الوادي
من يكن عالما فليس يُحقَّى
علماءُ البلاد أعلى وأكبر
إنهم كالجبال قدراً على الأر
ضُ وإن الجبال كالأوتادِبعد ربي من كل ما يُتصور
بي وإن هان عند قَومي حَياتي
أَهلُ بَغداد قد رقوا دَرَجات
فَلَهم باسمي شهرة في الجهات
أَنا كالصفر لست شَيئاً بِذاتيوأَزيد المقدار للأعداد
ستثير الأيام فيها دخانا
ويزيد الفساد آناً فآنا
ليت من كان مفسداً لا كانا
كلما جئتها لِأُصلحَ شاناسارع المفسدون للإفسادِ
إن نفسي يا ويح نفسي تُحسُّ
ألما ما حسَّته تاللَهِ نفسُ
كبدٌ لي مقروحة لا تجس
يا طيب الأدواء إنك نَطسهل تداوي القروح في الأكبادِ
قد كسبنا علماً لنكسب قدرا
ما حسبنا أن يُحسب العلمُ وِزرا
في بلاد الجهل أمست مقرّا
هجرتها أفاضلُ الناس هجرابعد أن كانت كعبة القصادِ
أَيُّها العلم أَنتَ في الشرق نكرُ
وأثامٌ وَأَنتَ في الغرب فخرُ
بك تؤذَى ناس وَناس تسر
فيك نفع وَفيك يا علم ضرإنما أَنتَ جامع الأضداد
حالة في بغداد لا ترتضيها
مذ خلت من علومها وذويها
ليس منها فيها سوى مدّعيها
قل لمن جاء يبتغي العلم فيهاعطلت من معلِّميه النوادي
أهملوا إذ توهموا الغَيَّ رشدا
في حياة لهم جهاداً وجهدا
فأُعيضوا من ثروة الملك فقدا
جهلوا لا هداهمُ اللَه قصداأنه في الحياة كل الجهادِ
إن أرضاً لها يقال العراق
قبحت من رجالها الأخلاقُ
كل ما فيهمُ فليس يُطاق
نخوة عن وقاحةٍ ونفاقُمعَ لؤمٍ وصِلَّةٌ في تمادي
إن حرية الكلام رداح
تتفانى في حبها الأرواحُ
غادة وصلها لغيري مباح
أعلى من يقول حقاً جناحربِّ قد طال كربتي واضطهادي
وعدتني قرباً ولم تف وعدا
بل أراها تزيد في البعد بعدا
وجد الوحش في المعاهد معدى
بعد سعدي إن العدالة سعديليت سعدي مقيمة في بلادي
أيها العدل أنت أنت الحبيب
إن عيشي ما غبتَ ليس يطيبُ
ما لمن قد دعوته لا يجيب
كل هذا الصدود منه عجيبأعدَته عن الوصال العوادي
جئت يوماً إلى حِماه أخبُّ
فسباني منه الجمال الأحبُّ
فإليهِ ما زلت من ذاك أصبو
وله انقادَ فيه مِنّيَ قلبكان لولا الغرام صعب القيادِ
فاق منه الجمالُ كل جمال
لست أدري وحبُّه شغل بالي
البخل قد صد أم لدلال
أنا في حبه مريض فماليلا أراه يجئ في عوَّادي
إن ذاك الحبيب جمُّ المحاسن
حبه في غيابةِ القلب كامن
وهو صعب الحصول غير مواطن
يطلب الناسُ أن ينالوه لكندون ما يطلبون خرطُ القتادِ
ليس فيكم لا درَّ درُّ أبيكم
من يحامي عن حوضكم ويقيكم
فأملوا ذاك في ذراري بنيكم
واصبروا ربما سيولد فيكمرجل باسل طويل النجادِ
إنما حادث الليالي موالي
للأَعادي ما للأعادي وَما لي
كيدهم فوق طاقَتي واحتمالي
ارحميني يا حادِثات اللَياليلا تعيني عليّ كيد الأعادي
أَنتَ يا عدل كالضياء وأجملْ
ما لآسٍ إلا عليك المعوّلبك أحلام لَيلنا نتأول
أَيُّها العدل إنما أَنتَ للقل
ب مراد وَفوق كل مراد
أَيُّها العدل أَنتَ بدر التَمام
قَد توارى لَيلاً وَراء الغمام
أَبدُ كيما تشقَّ جيب الظلام
كَم كِرام تحت التراب نياميشبهون السيوف في الأغماد
ربِّ أنت الخبير أنت اللطيف
ربِّ إني كما علمت ضعيفُ
ربِّ إن السجون ربِّ تخيف
ربِّ يا ربِّ إن جسمي نحيفليس لي طاقة على الأصفادِ
ويح نَفسي مِمّا تعانيه نَفسي
إن يَومي في بؤسه مثل أَمسي
أَنا بالموت وحده متأسي
عل عَيني إذا تبوأت رَمسيتَستَطيب الرقاد في الألحاد
ليَ في كربتي سبات عميقُ
أنظر الموت حين منه أُفيق
مثلما ينظر الصديقَ الصديق
إنه وحده عَلَيَّ شفيقسينجيني من ذوي الأحقادِ
للمنايا لو يعلم المرء فضل
إذ بها من همومها النفس تخلو
يتساوى هناك عزّ وذل
إن طول الرقاد في القبر يحلولي بعد العنا وطول السهادِ
المَنايا لطف فلولا المَنايا
خلدت في الشقاء هذي البَرايا
بالمَنايا انقضاء كل القَضايا
في المَنايا نهاية للرزاياللمَنايا عَلى البرايا أَيادي
قل لمن مات ثاوياً قَرَّ عينا
إنك الآن قد تأَدَّيت دينا
حين لاقيت فقي كروبك حَينَا
إن للموت في الكروب علينامنناً كالأطواق في الأجيادِ
ليَ ظن أو أنهُ بعض وهم
يذهب الفيلسوف منه لذمي
أن سيرقى روحي لألمع نجم
وسيبقى في وهدة القبر جسميهل إلى الجسم حاجة في الوهادِ
ليس في فسحة المجرة ضيق
إنها للأرواح نعم الطريقُ
هل لنفسي إذا تعالت مُعيق
نظرٌ لي إلى السماءِ عميقيتحرى نهاية الأبعادِ
حين يهتز في الفضاءِ الأثير
أين تمضي أمواجه وتسيرُ
لست أدري وهل بذاك خبير
أَعلى الروح في الثريا أميرمثلما في الثرى على الأجسادِ
حُسنُ هذي النجوم يا روح يقضى
إن في الجو مرتقى لك يُرضى
بعضها في نظامها فوق بعض
إنما نحن ساكنون بأرضهي أدنى مراتب الإيجادِ
ارتقى يا نفس ارتقى للسماء
والحقى بالشعري وبالجوزاءِ
ثم بيني للأرض بعد المساء
مثل نجم مغلفٍ بضياءهو للمدلجين في الليل هادي
لا تلاقين في السماء خصوما
لا ولا ظالما ولا مظلوما
ليس عيشٌ في جوِّها مذموما
إن في أعماق السماء نجوماسابحات سبحاً بغير استنادِ
سبحت في الفضاء عرضاً طولا
ساقها سائقٌ لها أن تجولا
معقبات بعد الطلوع أفولا
يقرأُ الفيلسوف فيها فصولامن كتاب الدهور والآبادِ
كل نجم منها بدون شبيه
دائر في بعدٍ بوجه وجيهِ
فلك جاز كل عقلٍ نبيه
المبادي مثل النهايات فيهوالنهايات فيه مثل المبادي
رُبَّ ناهٍ في مصر وهو خليلي
حاسب دجلةً كوادي النيل
عاذل لي على البكا والعويل
ما لديه علم بخطبي الجليلأنا في واد والعذول بوادي
أنتم الناس أيها السعداء
ما أصابت بلادكم ضراءُ
لكم الروح إن قبلتم فداء
ما عليكم وأنتم قدراءلو مددتم لنا يدا الإسعاد