تخطَّ إلى المحتوى

دارالعلوم تضيء بالأقمار

مقطوع الكامل

٢٧٤ بيت

المديح

«دَارُالْعُلُوْمِ» تُضِيُء بِالأَقمَارِ

عِلْمًا وَعِرْفَانًا كَنِصْفِ نَهَارِ

هِيَ مَهْبِطُ الأنْوَارِ شَاعَ ضِيَاؤها

نُوْرًا يُبَدِّدُ ظُلْمَةَ الأَوْعَارِ

بِإِشَارَةِ«المُخْتَارِ» فِي حُجُبِ الدُّجَى

بَزَغَتْ لَنَا كَالشَّمْسِ فِي الإِسْفَارِ

أَوْفَى«رَفِيعُ الدِّيْنِ» شَاهِقَ رُتْبَةٍ

لَمَّا صَحَا مِنْ طَيْفِهِ النَّوَّارِ

أَرْسَى عَلَى تِلْكَ«الخُطُوطِ» قَوَاعِدًا

تَعْلُو بِنُوْرِ اللهِ كُلَّ مَنَارِ

هِيَ رِفْعَةُ الدِّيْنِ التِي فَاقَتْ ضُحًى

بِ«وَلِيِّ حَقٍّ» قُدْوَةِ الأَخْيَارِ

كَمْ نَالَ فِيهَا طالِبٌ مِنْ فيضِها

فغدا كَصَارِمِ«حَيْدَرِ الْكَرَّارِ»

تَسْقِي الأنَامَ مِنَ«الْكِتَابِ» زُلَالَهُ

فَتَزُولُ عَنْهُمْ لَوْثَةُ الأَكْدَارِ

هِيَ مَعْقِلُ الصُّلَحَاءِ فِيهَا حِكْمَةٌ

تَجْلُو الضَّلالَ بِنَبْعِها المِدرارِ

فَمُؤَسِّسُوْهَا فِي اتِّباعِ«شريعةٍ»

كَ«صَحَابة» مِنْ«سيِّدِ الأبرارِ»

عُلَمَاؤُهَا كَالطَّوْدِ لَا تَهْتَزُّ مِنْ

رِيْحِ الْفَسَادِ وَهَجْمَةِ الأَشْرَارِ

قَدْ بَايَعُوا المَوْلَى بِنُصْرَةِ دِيْنِهِ

فَتَنَزَّلَ التَّأْيِيدُ بِالإِغْزَارِ

تَسْمُو بِهَا الأَرْوَاحُ نَحْوَ كمالِها

تَرْقَى سَمَاءً دُونَمَا أَسْتَارِ

هِيَ مَوْطِنُ العِزِّ الَّذِي رُفِعَتْ بِه

فِي الخَافِقَيْنِ مَكَانَةُ«الأَخْبارِ»

فِيهَا مِنَ«الأَنْصَارِ» نَفْحَةُ هِمَّةٍ

وَمِنَ«المُهَاجِرِ» نخوةُ الإِصْرَارِ

قَوْمٌ إِذَا نَطَقُوا الحَدِيثَ تَخَالُهُمْ

نَزَلُوا بِعَصْرِ«نَبِيِّنَا» المِعْطارِ

فَالصِّدْقُ مَسْلَكُهُمْ وَطِيْبُ حَدِيثِهِمْ

يَشْفِي النُّفوسَ بِنَفْحَةِ الأَذْكَارِ

لِلَّهِ دَرُّ مَنَابِتٍ قَدْ أَنْبَتَتْ

شُمَّ الرِّجَالِ وَرَوْضَةَ الأَخْيَارِ

مَا هَزَّ مِعْصَمَهَا الزَّمَانُ بِفِتْنَةٍ

إِلَّا سَطَتْ كَإغَارَةِ الْ«ضَرَّارِ»

فِيْهَا مَحَارِيْبُ السُّجُودِ كَأَنَّهَا

سُبُلُ السَّمَاءِ لِمَوْكِبِ الأَنْوَارِ

قَوْمٌ إِذَا ذَكَرُوا الإِلَهَ تَزَلْزَلَتْ

حُجُبُ السَّمَاءِ كَهِزَّةِ الْأشْجَارِ

تَرَكُوا مَذاقَ النَّوْمِ كَيْ يَسْتَنْبِطُوا

دُرَرَ الْعُلُومِ كَ«يَاسِرِ الصَبَّارِ»

لَوْ فَتَّشَ العُشَّاقُ عَنْ نُوْرِ الهُدَى

لَرَأَوْهُ مَخْبُوءًا بِهَذِي الدَّارِ

هِيَ«قَلْعَةُ الإِسْلَامِ» شِيْدَ بِنَاؤُهَا

بِجَمَاجِمِ الشُّهَدَاءِ وَالأَبْرَارِ

فَإِذَا رَمَى الأَغْيَارُ دِينَ«مُحَمَّدٍ»

كَانَتْ لَهُ حِصْنًا مِنَ الإِعْصَارِ

تَبْدُو«دِيُوبَنْدُ» الَّتي فِي عَصْرِنَا

أُخْتًا لِ«أنْدَلُسٍ» بِنَيْلِ فَخَارِ

نَشَرَتْ مَعَالِمَ مِنْ«بُخَارَى» بَعْدَمَا

غَابَتْ شُمُوسُ العِلْمِ خَلْفَ دَمارِ

وَأَعَادَتِ«الْمُسْتَنْصِرِيَّةَ» رِفْعَةً

فِي«أَرْضِ هِنْدٍ» تَحْتَ ظِلِّ خِيَارِ

وَكَأَنَّ فِي أَرْجَائِهَا«بَغْدَادُ» قَدْ

بُعِثَتْ لِتُحْيِي مَجْدَ كُلَّ دِيَارِ

سَلْ«أَرْضَ هِنْدٍ» عَنْ كَوَاكِبِ مَجْدِنَا

تُنْبِيْكَ عَنْ عِلْمٍ وَعَنْ أحْبَارِ

قَدْ كَحَّلَتْ عَيْنَ الزَّمَانِ بِنُورِها

فَارْتَدَّ يُبْصِرُ بَعْدَ طُولِ حِصَارِ

مَا نَحْنُ إِلَّا فَيْضُ نَبْعِ عُلُوْمِهَا

فَهِيَ المَدَارُ لِكُلِّ حَبْرٍ سَارِي

فِيهَا مِنَ«الْقُرآنِ» فَيْضُ جَلَالِهِ

يَسْقِي الْقُلُوْبَ بِرَحْمَةِ«الْبَشَّارِ»

وَ«مَحَجَّةٌ بَيْضاءُ» تَلْمَعُ فَوْقَهَا

تَاجًا يُرَصَّعُ مِنْ سَنَا «الْآثَارِ»

تَرَكَتْ بَهاءَ الأَرْضِ تَحْتَ نِعَالِهَا

وَ تَيَمَّمَتِْ لِ«لْوَاحِدِ القَهَّارِ»

يَا«كَعْبَةَ» العِلْمِ التِي أَمَّتْ لَهَا

طُلَّابُ عِلمٍ مِنْ مَدَى الأقْطَارِ

طُلَّابُكِ النُّجَبَاءُ نَبْضُ كَرَامَةٍ

حَمَلُوْا«كِتابَ اللهِ» خَيْرَ شِعَارِ

هَجَرُوا المَنَامَ وَوَدَّعُوا لَذَّاتِهِمْ

طَلَبًا لِرِضْوَانٍ مِنَ«الغَفَّارِ»

جَابُوا الفَيَافِيَ نَحْوَ نُورِكِ شَوْقُهُمْ

يَحْدُو الرِّكَابَ بِنَغْمَةِ الأَبْرَارِ

هَذِيْ عَقِيْدَتُنَا مَنَابِعُ حِكْمَةٍ

وسَنًا يُجَدِّدُ نَهْضَةَ الأطْهَارِ

وَلَهَا عَلَى هَامِ النُّجُوْمِ مَكَانةٌ

تَزْهُوْ كَضَوْءِ الشَّمسِ فَوْقَ مَنَارِ

فَتَخَالُ أَرْوِقَةَ العُلُومِ تَعَطَّرَتْ

بِعَبِيْرِ«بَيْتِ الْحِكْمَةِ» الفَوَّارِ

فِي حِضْنِها تَجْرِي المَعَارفُ دُرَّةً

فاليَوْمَ هَذِي قِبْلَةُ الأَمْصَارِ

قَدْ أَسْرَجَتْ لِلْعَالَمِينَ مَصَابِحًا

تَغْزُو الدُّجَى كَأشِعَّةِ الأَبْدَارِ

وَكَأَنَّ صَوْتَ الحَقِّ فِي جُدْرَانِهَا

رَعْدٌ يُزَلْزِلُ هَلْهَلَ«الْكُفَّارِ»

تَلْقَى عُلُومَ الكَوْنِ طَوْعَ بَنَانِهَا

مَسْبُوكَةً مِنْ جَوْهَرٍ كَنُضَارِ

مَنْ شَاقَهُ«الأَثَرُ القَدِيمُ» فَإِنَّهُ

يَلْقَاهُ غَضًّا دُوْنَمَا إقْتَارِ

فِيهَا مِنَ«التَّيْمِيِّ» جَوْدَةُ ذِهْنِهِ

وَمِنَ«ابْنِ حَنْبَلَ» عِزَّةُ الإِصْرَارِ

وَمِنَ«البُخَارِيِّ» الرَّزَانَةُ وَالهُدَى

وَصَفَاءُ نَبْعٍ فِي الْقُلُوْبِ يُسَارِي

«الْقَاسِمُ» العِمْلَاقُ أبْدَعَ هذهِ

يُرْسِي قَوَاعِدَهُ عَلَى الأَنْوَارِ

سَامَى بِصِدْقِ الزُّهْدِ أَسْمَى رُتْبَةٍ

فَرَمَى الدُّجَى بِشِهَابِهِ الْمِسْعَارِ

مَا كَانَ يَعْرِفُ لِلْمَنَاصِبِ لَذَّةً

بَلْ كَانَ يَهْرُبُ مِنْ لَظَى الإِكْبَارِ

مَا رَامَ صِيْتًا وَالْخَفَاءُ شِعَارُهُ

لَكِنَّهُ طَافَ الدُّنَى كَنَهَارِ

صَاحَتْ بِهِ الدُّنْيَا فَأَغْلَقَ دُونَهَا

بَابَ الْقَبُولِ بِنُزْهَةِ الْأَبْرَارِ

وَنَأَى بِعِزَّتِهِ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا

أَغْرَى نَوَاظِرَهُ بَرِيقُ نُضَارِ

لَبِسَ«التَّوَاضُعَ» حُلَّةً لَكِنَّهَا

حَجَبَتْ جَلَالَ القُطْبِ بِالأَطْمَارِ

مَلَكَ الْقُلُوبَ بِ«هَيْبَةٍ نَبَوِيَّةٍ»

بَهَرَتْ أُولِي التِّيجَانِ وَالقِنْطَارِ

قَدْ عَاشَ فَرْدًا فِي الزَّمَانِ بِزُهْدِهِ

لَكِنَّهُ جَيْشٌ مِنَ الأَحْبَارِ

مَا كَانَ يَنْطِقُ عَنْ هَوًى بَلْ قَلْبُهُ

مُسْتَغْرِقٌ فِي رُؤْيَةِ«الْجَبَّارِ»

حَلَّ الرِّحَابَ فَأَسْفَرَتْ لِحُلُولِهِ

وَتَضَوَّعَتْ بِوُجُوْدِهِ الْمِعْطَارِ

هُوَ مَنْبَعُ الْعِلْمِ المُنِيْرِ لِأَهْلِهِ

أَسْقَى الْقُلُوبَ بَدَائِعَ الأَسْرَارِ

فَاقَ «الفَلَاسِفَةَ» الكِبَارَ بِعَقْلِه

أَحْيَا المَعَارفَ مِنْ سَنَا الأَطْهَارِ

قَدْ فَتَّتَ الصَّخْرَ الْأَصَمَّ بِفِكْرِهِ

حَتَّى تَفَجَّرَ نَابِعَ الأَفْكَارِ

هُوَ مَعْدِنُ التَّحْقِيقِ فِي دِيوَانِه

سَاسَ الْعِصَابَةَ بِالْحِجَا النَّوَّارِ

سَلْ عَنْ بَرَاعَتِهِ الْعُلُومَ فَإِنَّهَا

تَحْكِي لَنَا عَنْ أَعْظَمِ الْأَحْبَارِ

قَدْ كَانَ نَصُّ«الْوَحْيِ» طَوْعَ بَنَانِهِ

يَجْلُو بِهِ حُجُبًا مِنَ الإِنْكَارِ

شَيْخُ الْفِرَاسَةِ وَالذَّكَاءِ بِحَالِهِ

قَدْ حَارَ فِيهِ أُولُو النُّهَى وَالثَّارِ

صَاغَ التَّمَدُّنَ فِي ظِلَالِ عَقِيدَةٍ

«نَبَوِيَّةٍ» جَلَّتْ عَنِ الأَكْدَارِ

فَتَحَ الْمَغَالِقَ بِالْيَقِينِ وَبِالتُّقَى

حَتَّى اسْتَنَارَتْ ذِرْوَةُ الأَعْصَارِ

ذَاكَ الَّذِي جَعَلَ الْمَعَارِفَ مَسْلَكًا

وَيَذُودُ عَنْهَا حَوْمَةَ الأَوْزَارِ

شَيْخٌ وَ مَنْطِقه الصَّوَابَ رَأَيْتَهُ

بَحْرًا طَمَى مِنْ غَيْرِ مَا إِعْصَارِ

وَعَلا بِ«شَاهِجَهَانَ فُورَ» مَقَامُهُ

أَخْزَى العِدَا بِفَرَائدِ الأَفْكَارِ

حَبْرٌ جَلِيلٌ لَوْ تَنَاظَرَ لَحْظَةً

لَذَعَ الضَّلالَ بِحُجَّةٍ كَالنَّارِ

فِي مَجْمَعِ الأَدْيَانِ قَامَ كَأَنَّهُ

صَقْرٌ يُحَلِّقُ فَوْقَ كُلِّ مُبَارِ

نَطَقَ العُلُومَ دَقِيقَهَا وَجَلِيلَهَا

فَغَدَا الفَقِيهُ كَ«جَعْفَرِ الطَّيَّارِ»

نَفَضَ الغُبَارَ عَنِ العَقِيدَة بَعْدَمَا

دَهَتِ القُلُوبَ غَيَاهِبُ الأَكْدَارِ

قَدْ كَانَ لِلتَّوْحِيدِ صَوْلاً هَادِرًا

يَجْتَثُّ أَصْلَ الشِّرْكِ وَالإنْكَارِ

لَوْ أَمْطَرَتْ سُحُبُ الضَّلَالِ ضَلَالَةً

أَرْدَى شَكِيمَتَهَا بِبأسٍ صَارِ

بَطَلٌ تَبَحَّرَ فِي«الشَّرِيعَةِ» فاقَ مَنْ

نَصَرُوا«الْإلَهَ» كَنُصْرَةِ«الأَنْصَارِ»

عَلَمٌ تَصَدَّى لِلغُزَاةِ بِعَزْمِهِ

مَا خَافَ بَطْشَ الكُفْرِ وَالفُجَّارِ

لَمْ يَخْشَ فِي الدِّينِ المُبِينِ ملامةً

بَلْ دَكَّ سُورَ الزَّيْغِ بِالْبَتَّارِ

بَذَلَ الحَيَاةَ لِنَصْرِ«دِينِ مُحَمَّدٍ»

فِي كُلِّ سَاحٍ أعْظَمُ الثُّوَّارِ

مَا اهْتَزَّ لِلْخَخطْبِ الْجَسِيمِ وَإِنَّمَا

ثَبَتَ الْجَنَانُ بِقُوَّةِ الإِصْرَارِ

زَانَ العُلُومَ لِجِيلِهِ«بِشَرِيْعَةٍ»

تَحْمِي العُقُولَ غَوَائِلَ الأطْوَارِ

هُوَ سُورُ جَامِعَةِ الْهُدَى مَنْ رَامَهُ

أَلْفَى الْهُدَى فِي صُحْبَةِ الأَخْيَارِ

صَانَ«الأَمَانَةَ وَالشَّرِيعَةَ» مِثْلَمَا

صَانَ الكُمَاةُ جَنَانَ حِصْنٍ قَارِ

هُوَ مِنْ جِبَالِ العِزِّ شَامِخُ قِمَّةٍ

عَصَفَتْ بِكُلِّ مَعَاقِلِ الْخَطَّارِ

قُطْبُ الرَّحَى لِلدِّينِ حِينَ تَلَاطَمَتْ

فِتَنُ الضَّلَالِ وَسَطْوَةُ الأَشْرَارِ

مَنْ كَالإِمَامِ إِذَا تَرَبَّعَ وَاعِظًا؟

أَوْ خَاضَ فِي الْهَيْجَاءِ كَ«الْكَرَّارِ»؟

رَجُلٌ حَبَاهُ اللهُ سِرَّ خِلَافَةٍ

تَسْمُوْ بِتَاجِ الْعِزِّ وَالْإِكْبَارِ

غَرَسَ الرَّشَادَ فَأَيْنَعَتْ ثَمَرَاتُهُ

فِي كُلِّ فَجٍّ طَيِّب الْأَثْمَارِ

غَمَرَ الدِّيَارَ بِفَيْضِ عِلْمٍ نَافِعٍ

حَتَّى جَرَى فِي الرَّوْضِ كَالأَنْهَارِ

أَحْيَا يَبَابَ الرُّوحِ بَعْدَ ذُبُولِهَا

بِزُلَالِ عِلْمٍ دَافِقِ التَّيَّارِ

نُورٌ تَبَدَّى فِي الزَّمَانِ فَلَمْ يَدَعْ

لِلزَّيْغِ بَاقِيَةً مِنَ الْآثَارِ

ذَادَ الْعِدَى عَنْ دِينِهِ بِيَرَاعِهِ

وَبِصَارِمٍ يَفْرِي لَظَى الأَكْدَارِ

قَدْ كَانَ«قَاسِمُنَا» لِكُلِّ مُلِمَّةٍ

حِصْنًا حَصِيْنًا صَاعِقَ الْأغْيَارِ

يَا«قَاسِمَ الخَيْرَاتِ» صُنْتَ مَنَارَنَا

وَشَدَدْتَ رُكْنَ الحَقِّ كَالْمِغْوارِ

بَعَثَتْ يَدَاكَ لَنَا الْعُلُومَ طَرِيَّةً

تَجْلُو صَدَى الْأَفْهَامِ بِالْأَنْوَارِ

يَا رَبِّ أَجْزِلْ«لِلإِمَامِ» مَثُوبَةً

تَبْقَى لَهُ ذُخْرًا بِدَارِ قَرَارِ

اذْكُرْ بِمَفْخَرَةِ الْعُلُومِ وَعِزِّهَا

«إِمْدَادَ» ذِي الشَّأْنِ الْعَلِيِّ الْبَارِي

عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ الَّذِيْ فَطَرَ السَّمَا

نَزَهَتْ خُطَاهُ عَنِ الْهَوَى وَالْعَارِ

قَدْ شَادَ فِي عَيْنِ الْإلَهِ مَحَجّةً

وَحَمَاهُ مِنْ دَنَسٍ وَمِنْ خَتَّارٍ

وَمَشَى عَلَى وَجْهِ التُّرَابِ وَقَلْبُهُ

بَيْنَ الْمَلَائِكِ مُنْتَقِ الأَنْوَارِ

مَا غَرَّهُ لَمَعَانُ جَاهٍ زَائِفٍ

إِذْ حَازَ نُورَ الْحَقِّ وَالْأَسْرَارِ

حَفَّتْ بِهِ الأَنْوَارُ فِي خَلَوَاتِهِ

فَسَرَى سَنَاهُ كَكَوْكَبٍ سَيَّارِ

شَيْخٌ تَسَرْبَلَ بِالْهِدَايَةِ بَدْرُهُمْ

وَأَنَارَ رَكْبَ الْحَقِّ بَعْدَ عِصَارِ

«قُطْبٌ» يُزَكِّي الْقَلْبَ نُوْرًا قَبْلَمَا

يَسْعَى لِتَدْبِيرٍ وَرَسْمِ مَسَارِ

هُوَ أَوَّلُ السُّوَّاسِ بَرٌّ خَاشِعٌ

خَاضَ الْمَعَارِك فِي لَظَى الإعْسَارِ

وَسَقَتْ مَنَارَ الْعِلْمِ سَقْيًا كَفُّه

بِزَهَادَةِ الْأبْرَارِ بِالأسْحَارِ

قَدْ جَالَ فِي رَوْضِ«السُّلُوْكِ» مُقَدِّمًا

يَجْنِي الْعُلُومَ كَجَانِيَ الأَثْمَارِ

ذَاكَ الَّذِي مَزَجَ«السُّلُوْكَ»بِ«مُصْحَفٍ»

وَأقَامَ صَرْحَ الدِّيْنِ بِالْإضْمَارِ

شَيْخٌ تَرَقَّى فِي مَقَامِ«مُشَاهِدٍ»

وَمَحَا ضَلَالَ النَّفْسِ بِالإقْصَارِ

َيَسْقِي«الْمُرِيْدَ» مِنَ«الْكِتَابِ»رَحِيْقَه

فَتَفِيْضُ مِنْه بَدَائِعُ الأنْوَارِ

فَنِيَتْ مَطَالِبُه بِطَاعَةِ رَبِّه

فَحَبَاهُ فضْلًا دَوْحَةَ الأسْرَارِ

زُهدُ«الْفُضَيْلِ» عَلَى جَبِيْنِ حَبِيْبِنَا

لَمْ يُغْوِه زَيْفٌ مِنَ الْأدْهَارِ

عِلْمٌ وَ«عِرْفَانٌ» تَمَازَجَ فِي الْحِجَا

فَسَمَا بِمَهْدِ«الْهِنْدِ» كَالْأَقْمَارِ

عَفُّ الْفُؤادِ مَنَاطُ كُلِّ فَضَائِلٍ

عَلَمُ الْهُدَاةِ مُمَزِّقُ الْأَضْوَارِ

نُقِشَ اسْمُه فِي تَاجِ«دِيْوبَنْدِ» الَّتِي

بَهَرَتْ بَنِي الدُّنْيَا بِكُلِّ فَخَارِ

لِله دَرُّ مَقَامِ عَبْدٍ قَدْ حَوَى

جُلَّ الْمَفَاخِرِ مِنْ يَدِ «الستَّارِ»

وَاسْأَلْ مَنَابِرَهَا الرَّفِيعَةَ وَاقِفًا

عَنْ«طَيِّبٍ» مَأْوَى ذَوِي الأَفْكَارِ

لَمَّا ارْتَقَى عَرْشَ البَيَانِ مُدَوِّيًا

سَجَدَ البَيَانُ لِمَنْطِقٍ بِوَقَارِ

رَجُلٌ تَزَيَّن بِاليَقِينِ وَهَدْيِهِ

فَغَدَا كَنَارٍ فِي ذُرَى الأطْوَارِ

يُعْطِيكَ مِنْ وَحْيِ الإلَهِ بَصِيرةً

وَمِنَ المَحَبَّةِ فَيْضَ نَهْرٍ جَارِ

تَرْنِيمُهُ فِي الذِّكْرِ يَحْمِلُ عَنْبَرًا

لِعَوَالِمِ الأَنْوَارِ وَالأَسْرَارِ

وَرِثَ«الإمامَ» بَصِيرَةً وَبَصارَةً

فَأَعَادَ مَجْدَ القَادةِ الأَطْهَارِ

فَتَحَ القُلُوبَ بِلِيْنِهِ وَتَوَدُّدٍ

وَتَرَفُّعٍ عَنْ زُخْرُفِ الدِّيْنَارِ

حَازَ المَفاخِرَ مَا انْطَوَتْ فِي وَاحِدٍ

بَلْ كَانَ جِيْلًا فَاحَ كَالْأزْهَارِ

يَرْنُو إِلَى«القُرآنِ» حِينَ مَقَالِهِ

فَتَخَالُهُ فِي حَضْرَةِ«الْغفَّارِ»

صَوْتٌ يُزَلْزِلُ كُلَّ نَفْسٍ غَافِلٍ

وَيَبُثُّ فِيهَا صَحْوَةَ الأَخْيارِ

فِي وَجْهِهِ سِيمَا السُّجُوْدِ منَوَّرٌ

يُغْنِيْكَ مَنْظَرُهُ عَنِ اسْتِخْبارِ

مِنْ قَلْبِ«هِنْدٍ» قَد أَطَلَّ حَبِيْبُنَا

وَأَضَاءَ كَوْنًا بِالهُدَى بِجِهَارِ

وَمُلَقَّبٌ بِ«حَكِيْمِ إسْلَامٍ» هُنَا

فغَدَا لِمَخْلُوْقٍ أَغَرَّ مَنَارِ

جَمَعَ «الحَكِيمُ» هِدَايَةً وَسِيَاسَةً

يَسْقِي النُّفُوسَ بِمَنْهَلٍ مِدْرَارِ

يَا ربَّ أكْرِمْ وَجْهَهُ مِنْ رَحْمَةٍ

واجْعَلْ لَهُ في الخُلْدِ حُسْنَ جِوارِ

وَبِ«أَنْوَرِ الشَّاهِ» اسْتَنَارَ زَمَانُنَا

فَغَدَا كَ«شُعْبَةَ» فِي دُنَى«الآثارِ»

فِي ثَغْرِهِ لُغَةُ الفُحُولِ كَأَنَّهُ

«عَمْرٌو» وَ«عَنْتَرُ» فِي رُبَى الأشْعَارِ

فَخْمُ البَيَانِ كَأَنَّ فِي أمْوَاجهِ

صَخَبًا لِسَيْلٍ جَارِفٍ مِنْهَارِ

يَبْرِي القَرِيضَ مِنَ الزَّهُورِ بَدائعًا

فَيَفُوحُ مِنْ إبْدَاعِه كَعَرَارِ

لَكِنَّ«أَحْمَدَ» بِالحَدِيْثِ أجَارَه

فَغَدَا مَنَارًا طَاهِرَ الآثَارِ

«مَلِكُ الحَدِيْثِ» وَفِي الرِّوَايَةِ صَدْرُهُ

كَ«البَيْهَقِيِّ» لِجَوْهَرِ«الأخْبْارِ»

وَكَأَنَّه«يَحْيَى بْنُ قَطَّانٍ» انْجَلَى

بِفِكَاكِ غَمْضٍ مِنْ بَيَانٍ جَارٍ

شَيْخٌ إِذَا نَطَقَ«الْحَدِيثَ» تَظُنُّهُ

يَرْوِي عَنِ«المُخْتَارِ» دُونَ سِتَارِ

شَرَحَ«البُخَارِيَّ الشَّرِيفَ» بِدِقَّةٍ

وَأَفَاضَ فِينَا سَيْبَ «فَيْضِ البَارِي»

أَفَلَ الضِّياءُ فَأَصْبَحَتْ «لُغَةُ الفَلَا»

ثَكْلَى تَنُوحُ بِظُلْمةِ الأَطْمَارِ

يَا لَهْفَ نَفْسِي هَلْ يُفِيدُ نَحِيبُنَا؟

بَعْدَ الرَّحِيلِ بشِدَّةِ الإِقْفَارِ

سَيَظَلُّ ذِكْرُكَ فِي القُلُوبِ مُخَلَّدًا

مَا لَاحَ نُوْرُ الْحَقِّ لِلأبْصَارِ

وَلَ«أَشْرَفٌ» شَرَفُ الزَّمانِ وأهله

وبهِ تَباهَى الْعِلمُ في الأحْبَارِ

قد لاحَ في أفقِ الزَّمَانِ غَزالَةً

شَمْس الْكَمَالِ تَجُوْبُ فِيْ الأقْطَارِ

لَوْلاهُ ما ازدانَ الزمانُ بِحِكْمَةٍ

وانجابَ ليلُ الشكِّ والأخْطَارِ

فَهْمٌ تَرَبَّعَ فِي ذُرَى الآفَاقِ لَا

تَرْقَى إِلَيْهِ هَوَاجِسُ الأَفْكَارِ

قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ«الْمَثَانِي» بَاحِثًا

عَنْ دُرِّ أَسْرَارٍ وَعَنْ إِبْصَارِ

وَتَرَى بِهِ«الرَّازِيَّ» فِي تَفْسِيْرِهِ

بَحْرًا عَمِيقًا دَافِقَ التَّيَّارِ

صَاغَ التَّوَازُنَ بَيْنَ عَقْلٍ شَارِدٍ

وَ«نُصُوصِ وَحْيٍ» جَمَّةِ الإِكْبَارِ

هُوَ قِبْلَةُ التَّحْقِيقِ فِي مِحْرَابِهِ

وَمَلَاذُ كُلِّ مُحَقِّقٍ حَيَّارِ

وَلَه بَصيرَةُ«أحمدٍ» قَدْ أسْفَرَتْ

تَفْرِي الشُّكُوكَ بِصَارِمٍ بَتَّارِ

فِيْ حُجَّةٍ كَ«مُحمَّد بنِ محمدٍ»

حَتَّى تَهَاوَى مَنْطِقُ الأَغْيَارِ

لَوْ خَاضَ بَحْثًا فِي«الْكِتَابِ» لَخِلْتَهُ

سَيْلاً أَتَى مِنْ فَيْضِهِ الْمِدْرَارِ

يَمْتَازُ فِي نَقْدِ العُصُورِ بِنَظْرَةٍ

«نَبَوِيَّةٍ» طَرَدَتْ دُجَى الأَغْيَارِ

ساقَ القلوبَ إلى الإلهِ مُرَبِّيًا

فَتعطرتْ بِشَذَاهُ كلُّ ديارِ

بِ«مَوَاعِظٍ» كَالشَّهْدِ يَسْقِي رُوحَنَا

وَ«جُنَيْدُ» هذا العصرِ في الأخيارِ

شَيْخٌ حَوَى الْبَرَكَاتِ فِي جَبَرُوتِهِ

وَأَذَلَّ كِبْرَ الْجَهْلِ بِالْأسْفَارِ

مَا مَدَّ لِلدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ كَفَّهُ

إِذْ عَافَ سَطْوَةَ مَالِهَا الغَدَّارِ

هُوَ مَنْبَعٌ لِلْجُودِ دُونَ تَكَلُّفٍ

فَتَدَفَّقَ التَّارِيخُ بِالأَخْبَارِ

يَمْشِي عَلى دَرْبِ الهُدَى مُتَخَشِّعًا

ومضى إلَى الرَّحْمَانِ دونَ عِثارِ

«ظَفَرٌ» أَنَارَ«المِلَّةَ البَيْضَاءَ» إِذْ

شَادَ العُلُومَ بِبَأْسِهِ الهزَّارِ

هُوَ صَاحِبُ«الإِعْلَاءِ» فِي سُنَنِ الهُدَى

نَبْعُ الْعُلُوْمِ وَمُسْنِدُ الآثَارِ

حَفِظَ«المَذَاهِبَ» بِ«الحَدِيثِ» كَأَنَّهُ

رَوْضٌ يَفُوحُ بِحُسْنِهِ المِعْطَارِ

أَجْرَى نَمِيرَ«أَبِي حَنِيفَةَ» مُمْطِرًا

بِدَلَائِلٍ كَالعَارِضِ المِمْطَارِ

شَهِدَتْ لَهُ كُلُّ المَحَافِلِ أَنَّهُ

طَوْدُ الشَّرِيعَةِ قَاطِعُ الأَوْزَارِ

جَمَعَ«الأُصُولَ» مَعَ«الفُرُوعِ» بِكِفَّةٍ

حَسَمَتْ خِلَافَ القولِ بِالإِشْهَارِ

فَاسْلُكْ طَرَيْقَ عُلُومِهِ بِبَصِيْرَةٍ

فَهُوَ الغِيَاثُ لِقَشْعِ كُلِّ غُبَارِ

أَحْيَا«رَشِيدٌ» لِلشَّرِيعَةِ غَرْسَهَا

فِي الفِقْهِ يَسْمُو ذِكْرُهُ كَنَهَارِ

ولَه يَدٌ كَ«أَبِي حَنِيفَةَ» حَاذِقًا

يَهْدِي العُقُولَ بِدِقَّةِ الأَنْظَارِ

هُوَ«صَاحِبُ النُّعْمَانِ» فِي زَمَنِ الظَّمَا

رَوَّى المَنَاهِلَ مِنْ أَتِيِّ بِحَارِ

تَلْقَى بِهِ «سُفْيَانَ» فِي وَرَعٍ لَهُ

أَو «مَالِكًا» فِي مَجلِسِ الإخْبَارِ

وَرَوَى طَرِيقَةَ«صَاحِبَيْهِ» بِعِلْمِه

مِنْ غَوْرِ بَحْرٍ زَاخِرِ التَّيَّارِ

قَمَعَ الضَّلَالَةَ بِالحِجَا وَبَيَانِهِ

وَلَحَا رُؤُوسَ الزَّيْغِ بِالبَتَّارِ

سَبَكَ«الفَتَاوَى» كَالسَّبَائِكِ صَحْوَةً

نَفَتِ ارْتِيَابَ النَّازِلِ المِدْرَارِ

صَادَ الشَّوَارِدَ لِلْفَقَاهَةِ نَادِرًا

وَجَلَا حِجَا مُسْتَغْلَقِ الأَسْفَارِ

فَصَلَ«الحَلَالَ» مِنَ«الحَرَامِ» بِصَارِمٍ

لَمْ يَرْضَ فِيهِ ليَانَةَ الأَعْذَارِ

وَهَدَى عُقُولَ العَالِمِينَ بِفِقْهِهِ

بِحِجًا يَفُوقُ عِبَارَةَ الأَحْبَارِ

وَ«خَلِيلُ» عِلْمِ«المُصْطَفَى» نالَ الْعُلَا

ك«شِهابِ دِيْنٍ» شَارِحًا لِ«بُخاري»

فجَلَا«البُخَارِيَّ الشَّرِيْفَ» بِفَهْمِهِ

حَتَّى اسْتَنَارَ الدَّرْبُ لِلأَبْرَارِ

فَلَقَ الأَسَانِيدَ الصِّلَادَ بِعِلْمِهِ

وَأَزَاحَ عَنْهَا ظُلْمَةَ الأَسْتَارِ

وَبِ«بَذْلِ مَجْهُودٍ» أَقَامَ مَنَارَةً

جَلَتِ المُتُونَ كَجِلْوَةِ الأَغْمَارِ

مَازَ«الصَّحِيحَ» مِنَ«الضعيف» بِنَقْدِهِ

يَجْلُو بِهِ عَنْ «عِلَّةِ الآثَارِ»

عَقَدَ المَجَالِسَ كَالمُلُوكِ بِهَيْبَةٍ

قَمَعَتْ ضَلَالَ الشَّكِّ بِالإِصْحَارِ

فَاحَتْ بِهِ«هِنْدُ» العَظِيمَةُ طِيْبَةً

سَبَكَتْ يَدَاهُ عُقُودَ كُلِّ فَخَارِ

وكتابه كَ«مُهَنَّدٍ» مُتَلاْلِئٌ

يَحْمِي عَقِيدَتَنَا بِدُونِ غِرارِ

يا ربِّ أسكنهُ النعيمَ برحمةٍ

واجعلْ لهُ الفردوسَ خيرَ مَزارِ

وَارْفَعْ لَهُ الدَّرَجَاتِ عِندَكَ رَحْمَةً

وَاجْمَعْهُ بِالصِّدِّيقِ وَالأَخْيَارِ

جُمِعَتْ مَزايا في«حُسَينٍ أحمَدٍ»

فغدا لِمَرْجِ الدّينِ خَيرَ عَمَارِ

جَمَعَ النِّضالَ إلى العُلومِ فَصارَ لِل

إسلامِ رُكنًا شامخَ الأسوارِ

رُهبانُ ليلٍ حينَ أرْخى سِدْلَه

يَوْمَ الْكَرِيْهةِ قَسْوَرٌ مِنْ بارِ

أحيا الجهادَ بعزمِهِ بِشَجاعةٍ

ضدَّ الطُّغاةِ وجَحفَلِ الكُفّارِ

هوَ في العزائمِ كالجبالِ مَهَابَةً

فَغَدَا عِداه لَدَيْه كَالْخَوّارِ

قادَ الأنامَ ك«خالدٍ» فِي وَقْعَةٍ

فَبَدا نَسيم النصْرِ فِي المِضْمارِ

وَ«مُحَدِّثٌ» في عصرِهِ قد شادَهُ

«عِلْمٌ» رصينٌ مُحكَمُ الأوتارِ

يا ربُّ أسكِنهُ الجِنانَ مُكرَّمًا

واجعلهُ في الفردوسِ دارَ قَرارِ

وَبِ«شَيْخِ هِنْدٍ» قَدْ سَمَتْ عَلْيَاؤُنَا

علَمًا أَذَلَّ عَزائمَ الأَغْيَارِ

دَكَّ القُيُودَ وَقَادَ كُلَّ جَمَاعَةٍ

فَبِه اكْتَسَبْنا عِزّةً لِديارِ

وبِكَفِّهِ سَيْفٌ وَفِي زَأراتِه

رَعْدٌ يُزَلْزِلُ «دَوْلَةَ الفُجَّارِ»

نَقَشَ البُطُولَةَ فِي النُّفُوسِ مَقَامُهُ

فَخْرًا يُرَدَّدُ فِي مَدَى الأَعْصَارِ

لَمْ يَنْكَسِرْ رَغْمَ القُيُودِ وإِنَّمَا

قَهَرَ الطُّغَاةَ بِصَارِمِ الجَرّارِ

أَحْيَا هُدَى«المُخْتَارِ»فِي زَمَنِ الوغى

فَغَدَا حُسَامًا نَاصِرَ الأَحْرَارِ

مَا ضَرَّهُ فِي السِّجْن طُولُ تَغَرُّبٍ

فَاللَّيْثُ لَيْثٌ رَغْمَ كُلّ حِصَارِ

حَبَكَ«الحَرِيرَ» رَسَائِلًا مَحْبُوكَةً

قَصَمَتْ عُرُوشَ الغَاصِبِ الغَدَّارِ

أَقْوَى مِنَ الصَّخْرِ الأَصَمِّ بِ«مَالِطَا»

فَرَأَوْا حُسَامًا قَاهِرَ الإِعْصَارِ

جَابَ الأَقَالِيمَ الكِبَارَ بِعَزْمِهِ

لَمَّا أَمَاطَ رَوَادِعَ الأَسْتَارِ

لَا صَدَّهُ كَيْدُ العُيونِ وَلَا لَوَى

عَنْ حَقِّهِ عَزْمَ الحُسَامِ الضَّارِي

سَاقَ «الدِّيُوْبَنْدَ» العَرِيْقَةَ جَحْفَلًا

يَقْضِي بِحَدِّ السيفِ فِي الأقطارِ

بَاكٍ بِمِحْرَابِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا

بِالزُّهْد يَمْشِي نَافرَ الأوزَارِ

أدبٌ ل«إعزازٍ» أنَارَ مَقامَهُ

أَدَبٌ يَفُوقُ مَحَاسِنَ الأَزْهَارِ

هُوَ«قُسُّ» هَذَا العَصْرِ فِي نَبَرَاتِهِ

وَكَ«أصْمَعِيٍّ» في رُبَى الإِخْبَارِ

صَاغَ القَوَافِي مِنْ جُمَانِ لِسَانِهِ

فَغَدَا لِأَهْلِ الشِّعْرِ طِيبَ بَهَارِ

مَنْ رَامَ سِحْرَ«الضَّادِ» يَلْقَ مَعِيْنَهُ

فِي كَفِّهِ الغَرَّاءِ بِاسْتِفْسَارِ

لَانَتْ لَه لُغةُ«الرّسولِ» بَرَاعَةً

فَأصَاغَها دُرَرًا مِنَ الْأشْعَارِ

أسَرَ القُلُوبَ عَلَى نَقَاوَةِ مَنْطِقٍ

عَذْبِ المَذَاقِ كَشَهْدِ ذَا الْعَطّارِ

ويَصُوغُ مِنْ نَبْع«الْبَدِيْعِ» جَوَاهِرًا

تَسْمُو بِهَا الأَلْفَاظُ فَوْقَ مَنارِ

حَسْبِي فَخَارًا أن حَرْفِي نبْعُه

مِنْ فَيْضِ هذَا«الْجَاحِظِ» النبَّارِ

وَ«وَحِيْدُ» هَذَا العَصْرِ شَمْشٌ نَوَّرَتْ

بضيائها الْجَوَّادِ كلَّ دِيارِ

وَكَأنَّه«سَحْبَانُ» دَهْرٍ فِي الْوَرَى

أَرْخَى البَيَانَ كَصَيِّبٍ مِدْرَارِ

مَنْ شَاءَ إِتْقَانَ«العُرُوبَةِ» فَلْيَقِفْ

بِفِنَاءِ هَذَا العَالِمِ الأَِسْوَارِ

كَمْ نَاشِئٍ بِيَرَاعِهِ قَدْ صَارَ فِي

نَادِ البَيَانِ مُهَنْدِسَ الأَسْطَارِ

أَحْيَا«عُكَاظَ» العِلْمِ بَعْدَ خُمُوْلِه

فَاسْتَيْقَظَتْ مِنْ غَفْوَةٍ وَدِثَارِ

أَكْرِمْ بِ«شَبِّيرٍ» إِمَامًا عَالِمًا

يُرْدِي الضَّلَالَ بِصَارِمٍ جَزَّارِ

هُوَ«شَيْخُ إِسْلَامِ» الْبِلَادِ وَعِزُّهَا

شَادَ الْعُلُومَ بِمَنْطِقٍ نَوَّارِ

فِي«فَتْحِ مُلْهِمِ»هِ تَجَلَّى عِلْمُه

فلق الصفا عن صيبٍ مدرارِ

سيفٌ لِدِينِ اللهِجَلَّ جَلَالُهُ

دَكَّ الْعَمَايَةَ بِالدَّلِيلِ الْفَارِي

عقدَ المَنار عَلى الثريّا رفعةً

وأذَلَّ كُلَّ غَطَارِفِ الكُفَّارِ

نَصَرَ«ابْنَ نُعْمَانٍ» فَلَاحَتْ سُنَّةٌ

مُتَسَرْبِلًا بِمَعَالِمِ الْآثَارِ

هُوَ«قُطْبُ» دِيْنِ اللهِ فِي مِحْرَابِهِ

وَمَلَاذُ كُلِّ مُحَقِّقٍ حَيَّارِ

خَطَّ«التَّفَاسِيرَ» العَظِيمَةَ صَاعِقًا

جَلَّتْ دُجَى الشُّبُهَاتِ بِالْأَنْوَارِ

لَاحَتْ بِآفَاقِ الْعُلَا أَنْوَارُهَا

تَهْدِي الْقُلُوبَ لِبَارِئِ الأَقْدَارِ

قَدْ كَانَ يُلْجِمُ كُلَّ فَدْمٍ مُبْطِلٍ

بِرَصِينِ فَهْمٍ صَادِقِ الْإِخْبَارِ

سُلْطَانُ عَرْش النُّطْقِ قَامَ بِبأسِهِ

أَخْزَى الْعِدَا فِي مَجْمَعِ الأغمارِ

شَرَحَ«الصَّحِيحَ لِمُسْلِمٍ» وَأنار عن

طَيَّاتِهِ غرَرًا مِنَ الأسرارِ

هُوَ مَعْدِنُ الْإِخْلَاصِ فِي أعماقهِ

يَحْمِي الْهِدَايَةَ مِنْ لَظَى الأَوْزَارِ

أنا«رَاغِبٌ» وابْنٌ لِ«مَقْصُوْدِ» الذِي

دَاسَ الثُّرَيَّا بِالهُدَى النَّوَّارِ

دَانَتْ لَهُ شُمُّ المَكَارِمِ عنْوَةً

وَمَشَى فَمَادَتْ هَيْبَةُ الأَحْجَارِ

قَهَرَ الزَّمَانَ بِصَبْرِهِ إِذْ كُلَّمَا

زَحَفَ الخُطُوبُ نَحَا لَهَا بِبَوَارِ

صِيغَتْ عَزِيمَتُهُ كَصَخْرٍ جَامِدٍ

لَمْ يَعْرِفِ الإِشْفَاقَ فِي الأَقْدَارِ

قَادَ الحَيَاةَ كَمَا أَرَادَ نَبِيُّهُ

وَثَنَى عُتُوَّ الدَّهْرِ بِالإِصْرَارِ

مَا نَالَ مِنْ صَلْدِ اليَقِينِ لَدَيْهِ فِي

غَسَقِ الكُرُوبِ تَلَفُّتُ النُّظَّارِ

شَادَ الرِّجَالَ بِنَفْسِهِ فَتَأَثَّلُوا

شُمَّ الجِبَالِ بِعِزَّةِ الآثَارِ

هُوَ آيَةُ الصَّبْرِ المَنِيعِ إِذَا انْحَنَتْ

قِمَمُ الْجِبَالِ لِصَدْمَةِ الإِعْصَارِ

حَازَ العُلُومَ بِنَظَرَةٍ«نَبَوِيَّةٍ»

وَلَوَى رِقَابَ جَحَافِلِ الأَسْفَارِ

وَرِعٌ تَقِيٌّ صَافِيًا صَبَوَاتُه

لَمْ يَلْتَفِتْ لِزَخَارِفِ الأَعْمَارِ

دَاسَ الدَّنَايَا بِ«الكِتَابِ» تَرَفُّعَا

وَرَمَى مَتَاعَ الدَّهْرِ بِالإدْبَارِ

تَلْقَى عَلَيْهِ مِنَ السَّكِينَةِ سِيْمَةً

حَكَمَتْ عَلَى الأَلْبَابِ وَالأَبْصَارِ

قَمَعَ الهَوَى بِتُقَاهُ حَتَّى أَصْبَحَتْ

شَهَوَاتُهُ طَوْعًا لَدَى«الأخبَارِ»

نَفَثَ اليَقِينَ بِكُلِّ قَلْبٍ حَائِرٍ

وَأَزَاحَ زَيْغَ الشَّكِّ بِالإِقْرَارِ

حَتَّى كَأَنَّ«نَبِيَّ حَقٍّ» ذَاتُهُ

يَجْرِي بِهِ هَدْيٌ إِلَى الأَبْرَارِ

فَجَمِيعُهُمْ بُزْلٌ تُقَادُ بِهِمْ دُنَى

شُمُّ الأُنُوفِ غَطَارِفُ الأَمْصَارِ

جَلَسُوا بِمِحْرَابِ العُلُومِ تَوَاضُعًا

فَغَدَوْا مَلُوكًا دُونَمَا إظهارِ

تَهْمِي عَلَى أَفْوَاهِهِمْ شَهْدُ الهُدَى

مِنْ نَبْع تَابع سُنَّةِ «المُخْتَارِ»

حَفِظُوا ثُغُورَ الوَحْيِ مِن أنْيَابِهِم

كَبَواترٍ مصقولةِ الأشفَارِ

لَوْ أَبْصَرَ«النّخَعِيُّ» رَوْعَةَ فَهْمِهِمْ

لَأَقَرَّ أَنَّهُمُ أُولُو الأقْدَارِ

يَا دَارَ«قَاسِمِنَا» بَلَغْتِ مَكَانَةً

بَزَّتْ سَنَا الجَوزَاء بِالإبكارِ

كُوْنِيْ كَبَحْرٍ لاتجفُ فُيُوضُه

يَحْوِيكِ لُطْفُ اللهِ مِنْ إعصَارِ

سَأَظَلُّ أَفْخَرُ أَنَّ صَرْحِي قِبْلَةٌ

لِلْدِّين وَالإِيْمَانِ وَالإِقْرَارِ

فَاجْنِ الْعُلُوْمَ الْغُرَّ مِنْ أفْنَانِها

وَارْقَ العُلَا فِي مَوْكِبِ الأَبْرَارِ

وَاحْفَظْ حِمَاهَا وَاسْتَطِلْ يَا مَجْدُ فِي

آفَاقِ «مَكَّةَ» أَوْ ذُرَى الأقمارِ

مَا دَامَ هَذا النجمُ فِيْ أُفُقِ الدُّنا

لَيَظَلُّ دِينُ اللهِ فِي الإِسْفَارِ

شَادَ الأَوَائِلُ صَرْحَهُمْ بِيَقِينِهِمْ

وَبَنَيْتُ صَرْحَ بَيَانِهِ بِأَوَارِي

وسَقَيْتُ جِيْدَ الدَّهْرِ مِنْ نَظْمِي جُمَا

نًا مِنْ نَمِيْرِ«القَاسِمِ» المِدْرَارِ

مَا شَرَّفَتْ«دَارَ العُلُومِ» قَصَائِدِي

بَلْ نُوْرُهَا قَدْ زَانَ لِيْ أشْعَارِي

بِيَرَاعِ صِدْقٍ صُغْتُ تِبْرَ بَيَانِهَا

فَخْرًا يُطَاوِلُ هَامَةَ الأَقْمَارِ

صِيغَتْ مِنَ الصَّخْرِ الأَصَمِّ عَقِيدَتِي

وَبِمِعْصَمِي حَتْفٌ لِكُلِّ مُمَارِ

أَنَا قَاسِمِيُّ الفِكْرِ نَبْعُ بَلَاغَتِي

أَعْيَا الفحولَ بِجَوْهَرِ الأخبارِ

مَنْ رَامَ شَأْوِي فِي القَرِيضِ فَإِنَّهُ

يَسْعَى لِحَتْفِ النَّفْسِ دُونَ حِذَارِ

مَلَكَتْ يَمِينِي عَرْشَ كُلِّ عَبَارَةٍ

فَخَضَعْنَ لِي طوعًا بِغَيْرِ تَمَارِ

صَبَّ الإِلَهُ بَيَانَ «تَمَّامٍ» بِمَا

حَبَكَ القَرِيضَ لِنُصْرَةِ الأَحْرَارِ

إِنْ صَاحَ غَيْرِي فِي المَحَافِلِ صَوْتَهُ

قَصَفَتْ قَوَافِيّ الجِبَالَ بِنَارِ