ناحتْ أصيلاً على أهلٍ وأحجارِ
والشوقُ بادٍ على ألفاظِ أشعارِ
كانتْ تقاسمُ دفءَ الدارِ مَنْ رحلوا
واليوم من لاعجٍ باتتْ على نار
وأطلقتْ زفرةَ المشتاقِ تحسبها
من لوعةِ الحبِّ إعصاراً بإعصارِ
راحتْ بغربتها تشكو مواجعها
غريبةُ الرّوحِ من همٍّ وأكدارِ
وأسلمتْ جنحها للريحِ فانطلقتْ
لا الليلُ يُوقفها منْ شحِّ أقمار
عزيمة رغم عصف الريحِ ما وهنتْ
ولا استكانتْ بإذلالٍ لغدارِ
تطيرُ مِن سفرٍ مضنٍ إلى سفرٍ
فأتعبتْ سفرا من طولِ أسفارٍ
كأنما الأرضُ لمْ تُخلقْ لتَسكُنَها
ولا السماءَ ارتضتْ دارا بلا جار
وما درتْ هذه الأيامُ غادرةً
حتى استظلّتْ بأحزانٍ وأخطار
جفّتْ على كمدٍ دمعاتُ أعينها
والروحُ تُرضعُ صحراءً بأمطار
والروحُ من وَلَهٍ حنّتْ لبارئها
وما مشيئتها إلاّ لأقدار
صاحتْ بصمتٍ وصمتُ الأهلِ يتعبها
والصمتُ من غضبٍ رعدٌ بآذار
وتُطعمُ الفقرَ مِن أحشائها أملا
تخبو بآلامها النيرانُ مِنْ نارِ
عذرا لشدوكِ قد ماتتْ ضمائرنا
وما الضمائر إلاّ بعضُ أحجارِ
لكنّها الأرضُ قد رجّتْ مشارقها
وللمغاربِ إشراقٌ بأحرارِ
يا أمّةً غرقتْ في اللهوِ مِنْ خدرٍ
هيهاتَ نصحو على وهنٍ على عارِ
لبيتُ شدوكِ ملتاعا أقاسمُهُ
مُرّ الهمومِ وعندي بعضُ أعذارِ
لبَيتُ شدوكِ يا أماهُ تعصفُ بي
هوجُ الرياحِ بلا سارٍ وبحّارِ
كأنني أنتِ نرجو رحمة نزلتْ
من السماء لنا من عندِ قهّار
تلك الشعوبُ تعيش الجوع مرغمةً
جوع الكرامةِ يمحو كلّ إيثارِ
وعندما أطلقتْ هذي الشعوبُ فمًا
خافَ الطغاةُ أبادوا جمع أخيارِ
من يزرع الظلم يجني الويلَ في نصبٍ
والحقُّ يُنصرُ في يوم بأنصار
ومَنْ يعشْ هذه الدنيا وزينتها
ويعبد الذاتَ في جاهٍ ودينار
تراهُ في قلقِ يحيا وفي شجنٍ
ويسجنُ الروح في كهفٍ وأسوار
لكنّها الروح لم تخلقْ لنسجنها
وإنما خُلقتْ من فيضِ أنوار
مشيئةُ الله فيها أن تكون لنا
والناسُ مِن مؤمن فيهم وفجّار
نوحي كما شئتِ لم أسمعْ بنائحةٍ
في الحقِّ إلاّ أتاها حقَّها جاري
يا جارةَ الهمَّ كم في الهمّ مِنْ تعبٍ
وأتعبتنا جراحاتٌ بلا ثارِ
تلك المواجع تستجدي ضمائرنا
من عهد آدم أحللنا دم الدّار
لا الشرعُ لا العُرفُ لا الأديان أجمعها
تقضي بسفكِ دمٍ من غيرِ إقرارِ
ويصلبُ الفكرُ والإنسانُ في بلدي
أُوّاهُ من قسوةِ الطغيانِ والعارِ
الناسُ في شرعهم شيءٌ بلا ثمنِ
ما أبخس الناسَ إلاّ بُخسَ أفكارِ