فيمَ البقاءُ وهؤلاء رفاقي
يتساقطون تساقط الأوراق؟
سبق الرفاقُ، وسوف ألحقُ راضيًا
أو كارهًا. مرحى بيوم لحاقي!
سبق الرفاقُ وخلَّفوني، بعدما
سَلَبوا صَباحي بهجةَ الإشراق
سلبوا سوادَ العين، ثم طَلَوا به
وجْهَ النهار؛ فصار ليلَ مَحاق
لم يُبق إبراهيم لي سَلوى، سوى
جلدي، وراح سَميُّه بالباقي
كم راحلٍ أَبْكي عليه، وإنَّني
لأَحَقُّ منه بدمْعيَ المُهْراقِ!
إن الذين كَوَى حشايَ فراقُهم
لم يَشْعُروا تحتَ الثرى بفراقي
ناجي، ببطن الأرض نَاجِ أحبَّتي
وانقُلْ إليهم في الثرى أشواقي
صفْ للأحبَّة ما لقينا بعدَهُم
واذكُر لهم أنّا على الميثاق
ولقد فقدتُكَ؛ فافتقدتُ مدامعي
فوجدتُها نَزَحتْ من الآماق
أنفقتُ دمعي في وداع أحبَّتي
يفني كثيرُ المال بالإنفاق
فلْتَبْكِ أحداقي بذَوبْ حبوبها
إن لم تَجُدْ بدموعها أحداقي
يا راقيَ المرضى، وكشافَ ضُرَهم
هل للحِمام وسهمِه من راق؟
مَن كان ترياقَ العليل قضى، ولم
يُعثَر لعلَّته على ترياق
ماذا أصابَ الطَّبَّ في أُسطونه؟
ماذا كبا بجواده السبَّاق؟
مات الذي يأسو الجراح بطِّبه
وبِبشره. والبشرُ طبٌّ واق
يستقبل المَرضَى بوجه باسمٍ
صافٍ صفاءَ مدامع العشاق
ودعابةٍ تقضي على الأشجان؛ ما
جرحت، ولا ندَّت عن الأذواق
رفَّاءُ أجسامٍ يرمُّ قديمَها
بأناملٍ مثلِ الخيوط دقاق
يا حاملاً كأسَ الشفاء بكفّه
أتَموتُ من ظمأٍ وأنت الساقي؟
قد كنتَ إن أَرقٌ عراني مفزعي
فغدوت أنت السِّرَّ في إيراقي
الهمُّ بعدك فوق صدري جاثمٌ
والغمُّ بعدك آخذٌ بخناقي
والقلبُ بعدك لجَّ في خفقانه
فمن الطَّبيبُ لقلبيَ الخفَّاق؟
يا واصلَ الآجال بعد اللهِ في
دنيا الفناء، وواصل الأرزاق
كما بائسٍ يبكيك كنتَ طبيبه
من علتين: السُّقم، والإملاق
ويتيمةٍ خلَّفتَها وكأنها
«ليلى» تُردِّد: «ليت للبَرَّاق»!
قتلتك نفسٌ حرَّةٌ عملاقةٌ
حلَّت بجسمٍ ليس بالعملاق
ماذا خُلقتَ؟ أكتلةً من أكبدٍ
أم من عواطفَ كالنسيمِ رقاق؟
ماذا خُلقت؟ دمًا ولحمًا أم سنًا
وأشعةً؟ آمنتُ بالخَّلاق
لم تَعرُ قلبَكَ سكتةٌ، لكنه
قد ذاب من عطفٍ ومن إشفاق
للطِّبِّ كنتَ، وللقريض، وللنَّدى
يا كوكبًا متعدد الآفاق
قالوا: شفى الأبدان. قلت: وشعره
طبُّ النفوس، وصحَّةُ الأخلاق
يا كاسِيَ الأدبِ الرفيعِ مطارفًا
يبلى الزمانُ بلًى، وهنَّ بواق
ومقلدَ الشعر الحديث قوافيًا
تسرى من الأعماق للأعماق
خفَّت، وخفَّ على المسامع وقعُها
فشدا شآميٌّ بها، وعراقي
أبقى من الهرمَيْن، إلا أنَّها
منحوتةٌ من سائلٍ وقراق
نَم آمنًا! يكفيكَ ما عانيتَ في
دنياك من عَنَتٍ ومن إِرهاق!
لا ترهبَنَّ من المقابر وحشةً
يا صاح؛ فهي كثيرةُ الطُّرَّاق
لا تحسَبنَّ الموتَ بينًا، إنَّهُ
بِينَ الأحبةِ موعدٌ وتلاقي
لا تأسَفَنَّ على الحياة؛ فإنها
كانتْ ومازالتْ مجالَ نفاق
بين الحياة وبين كلِّ فضيلةٍ
حربٌ على قدمٍ تقومُ وساق
يهنيكَ أنت حللتَ دارَ مثوبةٍ
وحللتُ دارَ تناحرٍ وشقاق
إنَّ الحياة كما علمتَ سلاسلٌ
من فضةٍ دارت على الأعناق
حلِّق بروحكَ في سماءٍ حُرةٍ
لم تُخلَقِ الأطيارُ للأطواق
ما أنتَ إلا صادحٌ قد فرَّ من
قفص الحياة، وفاز بالإطلاق