أرأيت شيطان الدجى ورجالهُ
إذ يعقدون الماء مثل الحبلِ
ويحاط كل مسافرٍ بمسافرٍ
من بين مَنْ بعدي إلى مَن قبلي
بمسافرٍ جهمٍ على ورق الندى
سمْح الطويَّةِ مجْهِزٍ في القتل
هم من عيون التاركين حياءهم
أبناء غائلةٍ سقاة المُهل
وهم الخياشيم التي جُعلتْ لمن
يتكالبون على حطامٍ سهل
ومقلّمو الأظفار تحت ثيابهم
عند الحقيبة مشرئبُّ النصل
أيكون شبَّاك القطار مرنَّحًا
قلقًا كظهر الهودج المختلّ
متلألئًا وقد استقرَّ مكانه
متماوجًا فِعْل العيون الشُّهل
وتحسّ أجفاني ظلامًا داميًا
أحشاءٌ أمٍّ أُجهضت من حمل
يابا محمَّد في الثرى متوسّمًا
قمر الصعيد البائس المحتلّ
لا تشعرنَّ بأي خوف مطلقًا
نم مطمئنّاً للندى والبذل
إن مزّقوا أرجاءنا فتمزّقت
الحلم يسلك في طريق الوصل
الفجرُ أُلهِمَ أنني أشتاقه
فالجرذ يهرب من ثمار الحقل
يابا محمد إنَّ رابية الضحى
راشت فراشة ياسمينَ وفلّ
كالسهم تدرج في الهواء ولا ترى
في النور أبيض من بياض الظلّ
الوهم عاودني فما عاودْتُهُ
يابا محمد ثم رحت أصلّي
في طرحةٍ بيضاء ثم كليلةٍ
إلا عن الوطن الذي للكلّ
قد كنت فلاحًا وكنت معلّمًا
ما كنت عبدًا للخسيس النذل
يابا محمد سانحًا أنشدْتني
عذبًا حليمًا من شفاء الغلّ
للطير موّالاً كأنَّ ذبيحه
رجْعُ الصدى بعد الصدى المنذلّ
نبضُ القلوب يردّ عن أجسادنا
النَّبْل بعد النَّبل بعد النبل
أنا فجأةٌ من فجأةٍ من فجأةٍ
مطر الدموع مفاجئٌ كالطبل
ماءُ السماء نعشت من وسْميِّهِ
ورذاذِه والوابلِ المنهلّ
إذ ليس حبلاً ضيِّقًا سلساله
لن يعقدوه بمبْرَمٍ للسَّحْل
فكأنني نُوديت ثم كأنني
بلدٌ أتيت بأمتي وبأهلي
فأنا المدينة جئت من دربٍ عَلا
وأنا القرى من ساريات السبل
وجمعت أحجاري وإنسانيتي
كلُّ الخصال إلى جنين الأصل
مثل النبات تشبثتْ بجذورها
في الأرض أو عصفت طيور العقل
فجعلت ذاكرة الشباب عتيقةً
والأمهات ولدنَ مثل الطفل
كل الثغور مؤذِّناتٌ مرةً
فجرًا شريفًا من غزاة الليل
لأقول ساعةَ يرهبون عدوّهم
أنا ما استطعتم من رباط الخيل