مِصرُ التي قَدَّتْ قميصَ فؤادي
فَسَعى لَها مِن دونِ أيِّ رَشادِ
وبِسُرَّةِ الأحلامِ أوقَدَ شَمعَةً
ودَعا مَلائكةً إلى الميعادِ
وبِلَحَظَةٍ كَونيَّةٍ شَوقيَّةٍ
للعِشقِ والتاريخِ والإنشادِ
جاءتْ مَسَلَّتُهُ وكانتْ بابِلٌ
فيها، وفِرعونٌ مِنَ الأشهادِ
حَكَمَتْ على قلبي بِقَدِّ قَميصِهِ
قُبُلاً، وَأنَّ الصَّبِّ مِن بَغدادِ
فأَشاعَ في أُفُقِ الذِّئابِ حنينَهُ
وبَكَتْ حَنيناً مِن هَواهُ البادي
وتَفَتَّحَتْ عَينُ الحياةِ لِعِشقِهِ
بيضاءَ تَحتَرِفُ الهوى بِسَوادي
مِصرُ ارتعاشَةُ رافِدَينِ، ونيلُها
يبدو لسانَ الأرضِ في الآبادِ
لابُدَّ مِنْ مِصْرَ الّتي مَنْ لمْ يَكُن
مِنها يَعِشْ سَهواً مِنَ الأجسادِ
بَقيَتْ فَتاةَ الرُّوحِ إِذْ أهرامُها
تَحكي اختزالَ الشمسِ في الأرآدِ
يا نَهدَ هذي الأرضِ جئتُكِ عاشقاً
وفمي إلى نَبْعِ المروءةِ صادِ
وإذا العٌروبَةُ لَمْ تًمَصِّرْ ضادَها
كيفَ العِبادُ سَيفخرونَ بِضادِ
وهنا عروسُ البَحرِ مِلءَ عيونِها
عَبَقُ المَلاحِمِ.. نَفحةُ الأمجادِ
شَفَةٌ على البحر استراحتْ غضةً
تُغري بتَقبيلٍ، فَقُل يا شادي
أنا جئتُ مِن بغدادَ صوتيَ مُتعَبٌ
حُزني بِها مُتَعَدِّدُ الأبعادِ
خَلفي هِيَ المُدُنُ العَذابُ يَلوكُها
بعدَ الأَسى جَبَلٌ مِنَ الأحقادِ
آتٍ وأزمنتي الضبابُ ومحنتي
هذا الضياعُ وغُربتي بِبلادي
ولقد وجدتُ الروحَ تُنكرُ ذاتَها
مِن فَرْطِ ما عَبَثَتْ يدُ الأوغادِ
بعضي مَفازاتٌ وبعضيَ أنهُرٌ
كَمْ بين أضلاعي مِنَ الأضدادِ
فأَنا العراقيُّ القديمُ بِرَغمِهِمْ
والشمسُ يقدَحُ ضوؤُها بزنادي
أنا مِلْحُ هذي الأرضِ سُنبلتي هنا
وقَميصُ ميراثي مِن الأجدادِ
آمَنتُ أنَّ العُربَ أهلي كلُّهُمْ
فَمِنَ الرِّباطِ دَمي إلى بغدادِ
لكنَّها بغدادُ أجملُ ما بِها
زادُ الهوى، وسَحائبُ القُصّادِ
مِنْ أَلفِ لَيلَةَ يَبرمون سقوطَها
وبِسَردِها نَهَضَتْ على الحُسّادِ
سَقَطتْ إلى الأعلى وَحامَ جَناحُها
فَكَخَيمةٍ وقَفَتْ بِلا أوتادِ
أُمٌّ تُحاولُ أن تَضُمَّ صِغارَها
وغطاؤهم مِنْ هَلوَساتِ وِدادِ
قالتْ: غداً للهِ حُكمٌ آخرُ
سَنُعيدُ زَهْوَ الأرضِ يا أولادي
فَمِنَ البِدايةِ للبِدايةِ رِحلَتي
لا تَيأَسوا مِنْ كَبوَةٍ لِجوادِ
يا مِصرُ عودي فالعروبَةُ أوقَدَتْ
أحلامَها تَرنو إلى العُوّادِ
يا أُمَّنا الكُبرى بَنوكِ تَهَدَّلوا
وتَناثروا في قِسمَةِ الآحادِ
مُذْ صارَ جُرحُ القُدْسِ وَشْماً
واستوى قَمَراً وَعَلَّقناهُ بالأكبادِ
وبِهِ تَغَنَّينا كثيراً والضِّباعُ
تَجُرُّهُ لَيلاً لِبَطْنِ الوادي
فتَبِعنَها: حَلَبٌ وتكريتٌ
وصنعاءٌ وسرتٌ، موصلٌ وَرَمادي
مُذْ صارَ وَجهُ الشِّعرِ فيهم أسوداً
بِسباقِهم لجوائزٍ وحصادِ
والشِّعرُ أسمى أن يراقَ جمالُهُ
أو يُشترى مَحظيَّةً بِمَزادِ
ضِعنا كما ضاعَ السلامُ بأمَّةٍ
وهَبَتْ سنابِلَ دينِها لِجرادِ
نَحتاجُ ألفَ مُحَمَّدٍ بِمَتاهَةِ
التأويلِ والتَّفسيرِ والإرشادِ
كي نستقيمَ، فَلَيسَ كلُّ عِمامَةٍ
فينا استقامت، ليسَ كلُّ جِهادِ
مِصرُ التي قَدَّتْ قَميصَ فؤادي
سأَقولُ: يا لبَّيكِ لا تَنقادي