تخطَّ إلى المحتوى

في قاع هذا الصمت

غير معروف

١٠٢ بيت

الوصف

في قاعِ هذا الصمتِ

حيثُ لا أسماءَ تُنادى

ولا ظلالَ تعودُ لتُقاسَ بطولِ الندم،

لم يكن هناك قبر…

بل ما تبقّى من فكرةٍ

نسيتْ أن تموت.

القبرُ ليس حفرةً،

بل فمٌ مفتوحٌ على اتّساعِ السؤال،

يبتلعُ الوقتَ لقمةً لقمة،

ويمضغُ العظامَ ببطءٍ

كأنّهُ يفكّر…

أو يتذكّرُ شيئًا

لم يحدث بعد.

هنا،

لا فرقَ بين دقّةِ قلبٍ

ودقّةِ مسمارٍ في نعش،

كلاهما يُثبتُ شيئًا

يرتجفُ من الثبوت.

نسمعُ الترابَ

وهو يتنفسُ فوق صدورنا،

كلُّ ذرّةٍ فيه

أرشيفُ جسدٍ سابق،

ضحكةٌ متحجّرة،

خطيئةٌ تُعيدُ نفسها

بلا جسد.

لسنا وحدنا..

هذه كذبةُ الأحياء،

في كلِّ شبرٍ من العتمة

تنامُ وجوهٌ بلا ملامح،

تتقلّبُ في أحلامٍ حجرية،

وتهمسُ:

هل انتهينا…

أم بدأنا نختفي فقط..

ولا أحد يجيب،

حتى الصدى

انتحرَ منذ زمنٍ

وترك صوتهُ يتعفّن في الفراغ.

نحاولُ أن نتذكّر أسماءنا،

فتسقطُ كجدارٍ مبلّل،

الحروفُ تنزلقُ من أفواهنا

كأصابعَ مبتورة،

ونضحك..

نعم، نضحك،

لأنّ الجنونَ هنا

هو الصيغةُ الوحيدةُ للمعرفة.

الزمن..

آه…

ذلك الشيخُ الأعمى،

الذي كان يلاحقنا في الخارج،

هنا

يجلسُ عند أقدامنا،

يمضغُ ساعاتهُ المكسورة،

ولا يعرفُ

كيفَ يعدُّ العدم.

نمدُّ أيدينا..

ولا نصل.

كأنّ أجسادنا

ملاحظاتٌ هامشية

في كتابٍ لم يُكتب.

نحفرُ في رؤوسنا

بحثًا عن نافذة،

عن شرخٍ صغير

يتسرّبُ منهُ ضوء،

أو حتى فكرةُ ضوء،

لكننا نجد فقط

طبقاتٍ من صراخٍ جاف،

متراكمةً

كأعمارٍ لم تُستعمل.

هنا،

كلُّ شيءٍ يحدثُ ببطءٍ كافٍ

ليتعفّن إلى الأبد،

وكلُّ شيءٍ ينتهي بسرعةٍ كافية

ليُنسى قبل أن يوجد.

نفكّر:

هل القبرُ نهاية؟

أم انزلاقٌ آخر

نحو داخلٍ لا قاعَ له؟

ربما نحنُ الآن

في بطنِ فكرةٍ أكبر،

تفكّرُ بنا

كما كنّا نفكّرُ بالموت.

نسمعُ دقًّا بعيدًا..

ليس قلبًا…

ليس طيرًا…

بل محاولةُ شيءٍ

أن يكون.

نردُّ بالصمت،

فاللغةُ هنا

مرضٌ قديم،

والكلماتُ

طبقاتٌ إضافيةٌ من الدفن.

نضحكُ مرّةً أخرى،

أكثرَ تكسّرًا،

أكثرَ انفتاحًا على العدم،

حتى نشعرَ أنّ العتمة

تضحكُ فينا…

لا معنا.

ثم نسأل..

ولا ننتظرُ جوابًا:

من الذي اخترعَ القبر؟

نحن…

أم الخوفُ منّا؟