يا آتيَ الظلم، لا تأمنْ مسالمةً
فكم ترى في أمور الناس تحويلا
هذا عزيزٌ يبيت الليل مغتبطاً
فيرسفُ الصبحَ في الأغلال مذْلولا
وذاك في ذِلَّةٍ باليأس قد قُرِنتْ
وفي المساء إليه العزُّ محمولا
تلك الليالي لها في شأنها عجبٌ
تُعلي، وتُهبط، تصعيداً وتنزيلا
يا خازنَ السجنِ، نفِّذْ ما أُمرتَ به
فلستَ تملك للأحكام تعديلا
إن عاتبوك لإرهاقي، فإنهمُ
لا يعرفون لهذا السجن تحليلا
وقل لهم لا تلجُّوا، إن صاحبكم
لا يرهبُ السيف فوق الهامِ مسْلولا
حتى الخطوبُ إذا صارت لها لُجَجٌ
لم يُبقِ من غوْصها عرضاً ولا طولا
يا ساكنى السجن، ما هذا الزحام؟ فهل
طاب المقام لكم مرعىً وتَظْليلا
أرى نساءً، أرى شِيباً، أرى شِيَعاً
فهل قضيتم هنا من عمركم جيلا
قالوا لنا قولةً أجرتْ مدامعَنا
حزناً على وطنٍ أجرى لنا النِّيلا
جُسْنا خلال ديار القطر، فاشتبهتْ
أحوالُنا سائلاً خبزاً، ومسؤولا
ضقْنا، سرقْنا هناتٍ، بعدما كُوِيَتْ
بالجوع أكبادُنا، والصبرُ قد عِيلا
يا ساكني السجنِ، هلاّ شِمْتمُ فَرَجاً
غيرَ التلصُّص عيشاً كان مرذولا
قالوا أيا لائماً، كُفَّ الملامَ، فما
في النُّصْح جدوى، وإن رَتَّلت ترتيلا
هذا زمانٌ عبوسٌ كلّه نَكَدٌ
والفقر يفغرُ فاهاً يقْضمُ الغولا
هذا زمانٌ به البأساء ضاربةٌ
في القطر أطنابها خِزْياً وتخْجيلا
هذا زمانٌ به الَّلأْواءُ ناشبةٌ
أظفارَها في حشا الأهلينَ تنكيلا
هذا زمانٌ به السبعُ العجافُ أتتْ
لأكل ما لم يكن من قبلُ مأكولا
لو جاء يوسفُ بعد الموت ثانيةً
لما رأينا لهذا الحال تبديلا
فكيف والغربُ يزجي نحونا شِيَعاً
حُمْرَ الثياب عَدَوْا طيراً أبابيلا
أنيابُهم كوحوش القَفْرِ تنهشنا
نهشَ النسور لصَرعَى الحرب تقتيلا
تعبَّدونا بدَيْنٍ لا وفاء له
واستضعفونا، فصار القلب مكْبولا
لم يتركوا بيننا جاهًا ولا ذهباً
إلا اسْتباحوه إجمالاً وتفصيلا
لا رحمة للأُلى باعوا رعايتنا
بيعَ السماح لرهْطٍ كان مجهولا
فبدّدوا المال في الفحشاء من سَفَهٍ
مُحَمَّلاً عبؤُهُ جيلاً تلا جيلا
يا غارةَ الله، حُلِّي في قبورٍهمُ
وحَوِّليها لهم نارا وسجِّيلا
واحسرتاهُ، فللأعداء زعْنفةٌ
منّا توسوسُ في الآذان تضليلا
باعوا البلادَ بجاهٍ مثلهم نجسٍ
بيعَ الجبان سلاحاً كان مصقولا
فاستفحلَ النملُ فيها، بعد أن نَعِسَتْ
عنها عيونٌ لها كانت سرابيلا
ومن رعى غنماً في أرض مسبَعةٍ
ونام عنها غدا الراعي لها فيلا
فليس بِدْعاً إذا ضاق الفضاءُ بنا
والسجنُ أضحى بهذا الجمع مأهولا
فقلتُ ياويلَ مصرٍ من حكومتها
إن صيَّرَ البؤسُ هذا السجنَ مأمولا
يا شعبُ، حَتَّامَ ترضى بالكفافِ، فما
تنال من قُطْنها أرضاً ولا تِيلا
يا شعبُ، هل أنت عبدٌ في حِيازَتهم
أو أودعوا رخصةَ العُتَقَا ليفربولا
ياشعب، حتّامَ ترضى الذلَّ منكمشاً
فانهضْ، وذلِّلْ صعابَ الأمر تذليلا
وانهضْ، وحاسبْ، وخذ حقّاً، ومُتْ شرفاً
فالموتُ أبقى من التخليدِ مَذْلولا