أَهاجَتكَ ذكراهَا وَرأَسُكُ أَشيَبُ
وأَبكَتكَ من بَعدِ التَّشبُّتِ زَينَبُ
تولَّيتَ عنها آنفًا كلَّ ذِلَّةٍ
وها أنت تَوَّاقٌ إليها وتكتبُ
أجِدُّكَ مِن بَعْدِ الشُّطونِ تَعودُها
وتَذْرِفُ جَهْرًا لِلصِّحابِ وتَنْدُبُ
فإمّا تَرَيْنِي شامِخَ الرَّأسِ سامِيًا
فقلبي على جَمْرِ الهَوَى يَتَقَلَّبُ
تَحِنُّ لَهَمْساتِ الحَبيبِ حُشاشَتِي
ولَسْتُ لغيرِهِ أَحِنُّ وأطْرَبُ
وما أنا ممّن يَفْهَمُ الناسَ هَمَّهُ
فأشكو إليهم ما يَسُرُّ ويُعجِبُ
ولكن أخو طَبعٍ عزيزٍ بنَفسِهِ
أبى أَن يلومَ لائِمٌ وَمؤَنِّبُ
أَمِنتُ صُروفَ الدهرِ والدهرُ غائِلٌ
ومن عاشَ دهرًا لا مَحالَةَ يُغلَبُ
أتيتُ بِلادي بعدَ هَجْرٍ وغُرْبَةٍ
فَلَهْفي عليها أين أسري وأذهبُ؟
غِنى المرءِ أوطانٌ تُزيلُ هُمومَهُ
وَظِلُّ أَمَانٍ رَحْبُهُ لا يُخَيِّبُ
وأوطانُنا لا هَمْسَ فيها سوى الأَسَى
وأصواتُ تَفجيرٍ وطَلْقٍ يُثَقِّبُ
وفي كلِّ بيتٍ للثكالى توجّعٌ
يقَطّعُ أحشاء الفؤاد ويلهبُ
فَوَاللهِ تَثْقيبُ الصِّغارِ فُجاءةً
أَشَدُّ مِنَ المَماتِ سَيْفًا وأَغْلَبُ
ولولا شِراءُ الخائِنينَ بِدِرْهَمٍ
لَما عاشَ شَعْبٌ بالهَوانِ مُعَذَّبُ
وَإِنْ فَقَدَ العَدْلُ المُبِينُ سَبيلَهُ
فَلَيْسَ لِحُرٍّ في البَرِّيَّةِ مَأْرَبُ
فَوَا أَسَفِي «صَنْعاءُ» أَمْسَتْ أَسيرَةً
لِعابِدِ أَوْهامٍ يَجُولُ ويَنْهَبُ
أَصَنْعاءُ إِنِّي نَحْوَكِ اليَوْمَ تائِقٌ
فَوَا عَجَبًا حالي وحالُكِ أَعْجَبُ
أَصنَعاءُ أَيّامَ الدَّخِيلِ سَتَنجَلِي
فَتَنزاحُ شَمسُ الظَّالِمِينَ وَتَغرُبُ
فَمَا أَقرَبَ الآتِي وَأَبعَدَ ما مَضَى
لِنَصرٍ قَرِيبٍ كَالوَرِيدِ وَأَقرَبُ
فَتَبقَى وَإِن جَارَ الزَّمَانُ كَرِيمَةً
وَيُصرَفُ كُلَّ ما يُخَشَّى وَيُرهَبُ
وَمَا مِن قَذًى إِلَّا وَيَتبَعُهُ صَفًا
أما صَفَيَ الحَيَّانِ بَكْرٌ وَتَغلِبُ ؟