لا تنكأِ الجرحَ واتركْ جرحيَ القاني
ولا تُهِجْ نارَ آلامي وأشجاني
دَعْني فلا تبعث المدفونَ من عُمُري
ولا تعُدْ بي إلى منْسيِّ أزماني
هل تستغلُّ اصطباري كي تسامرَني
بحسرتي وتُناجيني بأحزاني
إن كنتَ لم ترحمِ الموتورَ من أملٍ
ولم تهَبْ راحةً للمتعب العاني
فاسمعْ أحاديثَ أيامي يرتِّلُها
قلبي وتنشدها الذكرى بألحاني
وقد تجرَّعتُ مُرَّ اليُتْم من صغري
من والدٍ كان فردوسي ورِضواني
لم يُبقِه الدهرُ لي حصنًا ليكْلأَني
في النائبات ويحميني ويرعاني
قضى وخلَّفني للفقر أرسِفُ في
قيوده بين أشواكٍ وأدْران
ولم يكن لي بقاءُ الأمّ مكرمةً
مِنَ الزمان ولا ستْرًا لعدوان
مسكينةٌ قصَّرتْ في أمر تربيتي
بما تُواليه من عطفٍ وتَحْنان
فلم تكن قوَّمتْ ما اعوَجَّ من خُلُقي
ولم تكن أصلحتْ ما اختلَّ من شاني
يا ليتها أدركتْ قدْري فما تركتْ
إصلاحَ أمري إلى أحداثِ أزماني
لو أنصفَ الدهرُ بي لاختارَها وقَضى
عليَّ باليُتم مجموعًا فأغناني
وكان لي من ذكائي ما اشتُهرتُ به
وما تقدّم بي ما بين أقراني
فأعجبَ الناسَ ما أظهرتُ مِنْ فِطَني
وما بزَزْتُ به صحبي وأخداني
فحدَّثوا عن صفاتي في ذوي خطرٍ
وأعلنوا عن ثَناهم أيَّ إعلان
حتي تخيَّرني بعضُ الأكابر مِنْ
قومي وقد كان ذا مالٍ وسلطان
وجاء بي أطلب العلمَ الشريفَ من الدْ
دِينِ الحنيفِ ومن فقهٍ وقرآن
فضمَّني الأزهرُ المعمور بين ذوي
نُسْكٍ وتقوى وآدابٍ وعرفان
أُدرِجتُ في عِمَّةٍ بيضاءَ ناصعةٍ
وجُبَّةٍ ذات أذيالٍ وأردان
فصرتُ شيخًا كما أُدْعَى وإن أكُ ما
زلتُ الفتى في أحاسيسي وريْعاني
كأنني بين أترابي إذا انطلقوا
للَّهو وحشٌ حبيسٌ بين قضبان
مكلَّفٌ بوقارٍ ليس من خُلُقي
مقيَّدٌ بهدوءٍ ليس من شاني