بين كأس الطِّلا وخَوْدٍ كَعابِ
وقريضٍ دفنتُ غَضَّ شبابي
كم ترشَّفتُ خمرةَ الحب صِرفاً
أو مزيجاً من لذةٍ وعذاب
وترنَّمت كالهزار بشعرٍ
مثل خمرٍ يسطو على الألباب
عشتُ في هذه الحياة غريبًا
وأنا بين رفْقتي وصحابي
كيف يحيا ربُّ الشعور بقُطْرٍ
حَظُّه بات في يد الأوْشاب
بين شعبٍ يعيش في غُمَرِ اليأ
سِ، وفي بؤرةٍ من الإضطراب
يقطع العمرَ سابحًا وسْط يَمٍّ
من خيالٍ ولجَّةٍ من سراب
ويرى المحسنَ العطوفَ مُسيئاً
والمسيءَ الكنودَ رمزَ الصواب
يحسَب الشاعرَ الطروب خليعاً
ماجناً هادماً لِحصْن الشباب
إن تغنَّى بحسن هندٍ وليلى
قيل ذا ملحدٌ بآيِ الكتاب
وإذا ما دعاه للنوْحِ خَطْبٌ
شبَّهوا شِعرهُ بنعْبِ الغراب
وإذا حارب الرذائلَ يوماً
فوَّقوا نحوه رؤوسَ الحراب
وإذا قام واعظاً ونذيراً
قيل عن وعظه طنينُ ذُباب
وإذا لاذ بالسكوت وأغْضَى
مزَّقوا عِرْضَه بأفتك ناب
ذاك حال الأديب بين رعاعٍ
فهوْ كالشاةِ وسط سرْبِ الذئاب
أيها المُدْلجون في ليلِ عسْفٍ
خفِّفوا الوطْءَ فوق تلك الرقاب
لا تدوسوا بِمنْسمِ الحقدِ قلباً
عفَّ عن خمرة الهوى والتصابي
قدِّسوا شاعرَ النبوغِ وكونوا
كالشَّجا في لَهاةِ كلِّ غراب
كلُّ ذي مِخْلٍب قسيٍّ ونابٍ
هل يُسمَّى في عُرفكم ليثَ غاب
وذوات الجناح تُدعى طيورًا
فهل البطُّ عندكم كالعُقاب
أيها العاذلُ اللَّجوج تمهَّلْ
كيف أسرفتَ - قاسطاً - في العتاب
أنت يا حاسبًا عليَّ هَناتي
أنت لاشكَّ غالطٌ في الحساب
أنت لو كنتَ شاعراً عبقرياً
لاصطفيتَ الحياة وسْط الشِّعاب
بين سِيدٍ عملَّسٍ وظِباءٍ
ومهاةٍ تُزري بذات النقاب
والشحاريرُ والبلابل تشدو
فوق أفنانِها بلحن الشباب
لُذْ بكوخٍ - إن كنت حُرّاً - وأعرضْ
في إباءٍ عن ناطحات السحاب
تاركاً عالمَ النفاق بعيداً
عن أناسٍ ثعالبٍ في ثياب
لا يراعون للنبيغِ فروضاً
أوجبتْها شريعةُ الألباب
ذاك حالي، يا من لَحى وتجنَّى
كن حكيماً، ولا تزد في عذابي
كنْ كما شئتَ في الحياة ودعْني
بين كأسي وقَيْنَتي وربابي